أكدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في التاسع من أكتوبر الجاري، أن الإدارة الأميركية تدرس إمكانية العمل مع حركة طالبان في الحكومة الأفغانية. وتأتي هذه التصريحات المثيرة بعد ثماني سنوات من حرب تخوضها الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف الأطلسي في تلك البلاد الوعرة، دون وجود آفاق لحسمها.
تصريحات كلينتون لم تظهر إلى العلن إلا بعد أن نضجت أفكار جديدة في هذا الشأن، عبر دراسات مستفيضة لإعادة تقييم الأوضاع في أفغانستان بما يتفق مع الأجندة الأميركية الجديدة، أجراها خبراء استراتيجيون في البنتاغون ووزارة الخارجية.
وتأتي هذه التصريحات متزامنة مع طلب القائد العسكري الأميركي في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، مدعوماً من الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات المركزية، بزيادة عدد القوات الأميركية العاملة في أفغانستان. فما الذي يمكن أن نقرأه في هذا السياق؟
في ضوء ما نشر من معلومات حول هذا الشأن، انقسم الاستراتيجيون إلى فريقين: الأول يرى أن الخطأ الأكبر الذي اقترفه صناع السياسة الخارجية الأميركية، هو أنهم وضعوا تنظيم القاعدة وطالبان في صف واحد رغم الفوارق الكثيرة بينهما، فالقاعدة حركة ذات طابع عالمي نفذت عمليات تخريبية ضد المصالح الغربية، الأميركية بشكل خاص، في عدد من دول العالم، في حين أن حركة طالبان بقيت حركة محلية.
ومنذ تأسيسها وحتى سقوط نظامها في عام 2001 لم تلحق ضرراً بالمصالح الغربية، وما تقوم به الآن من عمليات لا يتعدى الساحة الأفغانية وبعض مناطق باكستان، وهي لا تبدي اهتماماً بما يدور في بقية أنحاء العالم. فعلى مدى السنوات الثماني الماضية انجرفت الولايات المتحدة لتجد نفسها في حرب مع حركة طالبان، في حين أنها جاءت إلى أفغانستان للقضاء على تنظيم القاعدة الذي قلص وجوده كثيراً في أفغانستان.
حيث ألغى الكثير من القواعد ونقل معظم ما تبقى إلى الأراضي الباكستانية وإلى العراق، وفق تقارير المخابرات الأميركية نفسها، منذ تعرض للاستهداف عند الاحتلال الأميركي لأفغانستان عام 2001. فالعولمة قد منحته، كما منحت الآخرين، فرصاً ووسائل جديدة لم يعد في ضوئها التمركز الموقعي ضرورياً، ففي ظل العولمة أصبحت حركة الناس و تبادل الأفكار وانتقال الأموال أكثر حرية من ذي قبل.
أما الفريق الثاني، الأكثر قرباً إلى المحافظين، فيرى أن الصلة بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة تتجاوز مجرد قيام طالبان بتوفير أماكن آمنة لمنتسبي القاعدة في الأراضي الأفغانية، فهي صلة ذات طابع أيديولوجي. لذلك من الطبيعي أن يوضع التنظيمان في صف واحد، فالقتال مع أحدهما هو بالضرورة قتال مع الآخر كذلك.
ورغم التباين في موقف الطرفين، إلا أنهما يشتركان في اعتبار حركة طالبان أقل خطورة على المصالح الأميركية.
الولايات المتحدة لا نية لديها، على الأقل في الوقت الحاضر، للجلوس للحوار مع تنظيم القاعدة، إلا أنها تسعى إلى إغراء طالبان بفك تحالفاتها مع هذا التنظيم، وفي هذا الصدد نرى بوضوح أنامل الجنرال ديفيد بترايوس في صياغة هذا التوجه، فهو ينقل تجربته التي نجحت في العراق حيث استطاع إغراء بعض الفصائل المسلحة المتحالفة مع القاعدة بالتمرد عليها وفك ارتباطها بها.
وقد تحقق ذلك النجاح بعد قيام الإدارة الأميركية بزيادة عدد قواتها العاملة في العراق، مما أكسبها وضعاً ميدانياً أخل بالتوازنات التي صنعتها القاعدة، وسهل انسلاخ حلفائها الذين تحولوا إلى الصحوات فيما بعد، وهذا ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه في أفغانستان.
لذلك من المتوقع أن يحظى طلب الجنرال ستانلي ماكريستال بالموافقة من قبل الرئيس الأميركي أوباما. فزيادة عدد القوات سيوفر للولايات المتحدة وضعاً استراتيجياً أفضل على الأرض، يضعف من فرص طالبان في العودة إلى الحكم، وقد يقنع بعض قياداتها ويدفع بعض فصائلها إلى التخلي عن تزمتها والقبول بمبدأ المشاركة في الحكم وليس الاستئثار به.
فالولايات المتحدة لا تراهن على جميع المنتمين لهذه الحركة، بل تراهن على المعتدلين فيها، وبكلمات أخرى تراهن على حدوث انشقاق فيها.
ولكن النجاح الذي تحقق في العراق قد لا يتكرر في أفغانستان، فلو عدنا ثماني سنوات إلى الوراء، وبالتحديد إلى ما رافق أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فإن حركة طالبان التي كانت في الحكم آنذاك، قد رفضت جميع العروض والضغوطات لفك ارتباطها بتنظيم القاعدة وطرد قادتها أو تسليمهم إلى الولايات المتحدة، وفضلت أن تخوض حرباً خاسرة وتتعرض بلادها للاحتلال ويتشرد قادتها.
السياسة الأميركية الجديدة في أفغانستان تدعو إلى التأمل في مستقبل الدور الأميركي على المسرح العالمي، ففي ظل الأوضاع العالمية، خلال فترة الحرب الباردة، لم تستطع الولايات المتحدة تحقيق نصر كامل في حروبها، سواء في كوريا أو فيتنام، بسبب وجود المعسكر الاشتراكي الذي كان يسند الطرف المعادي لها، فكان عليها أن تتقبل حلولاً وسطية.
أما الآن وبعد أن عكست الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ نهاية الحرب الباردة، عنجهية القطب الأوحد الذي لا يترك لخصمه ما يحفظ ماء الوجه، فإن ما يثير الاهتمام في الموقف الأميركي الجديد من حركة طالبان، هو أن الولايات المتحدة تتقبل، لأول مرة، نصراً منقوصاً.
والحقيقة أن الولايات المتحدة قد فشلت في تحقيق نصر عسكري على حركة طالبان، وفشلت كذلك في تجفيف المنابع المالية للحركة.
فوفق تصريح أدلى به ديفيد كوهين المسؤول الكبير في الخزانة الإسرائيلية إلى الأسوشيتد برس في الثاني عشر من أكتوبر الجاري، استناداً إلى تقارير مخابراتية، فإن الوضع المالي لحركة طالبان أفضل كثيراً من الوضع المالي لتنظيم القاعدة، وفشلت أيضاً في تسويق مشروعها السياسي، حين فشل حلفاؤها في تسويق أنفسهم كقادة للشعب الأفغاني.
وفي هذا وذاك وذلك دوافع قوية لإدارة الرئيس أوباما لتضييق ساحة المواجهة وغلق بعض بواباتها، عن طريق فتح قنوات حوار مع حركة أصولية سبق أن صنفت نظيراتها في خانة الإرهاب.
قيام الإدارة الأميركية بإعادة تقييم استراتيجيتها في أفغانستان، يدعو إلى طرح سؤال هام في السياق نفسه: ماذا عن العراق؟ وطرح سؤال أقل أهمية: ما الذي يستنتجه قادة الكتل السياسية الحاكمة في بغداد من هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟
كاتب عراقي