تخدعنا أنفسنا حين توهمنا أحيانا بقرب أشخاص منها، أو قربها منهم، وبعد أشخاص عنها، أو بعدها عنهم. تكاد المعادلة تكون واحدة في الحالتين، مع اختلاف في القيمة ما بين السالب والموجب، لكن هذا الاختلاف ليس بسيطا كما قد يوحي به الكلام، إنه يضرب في عمق العلاقات البشرية، وينقلها من نقيض إلى نقيض.. مرة من الجهة الموجبة إلى السالبة، ومرة بالعكس.
لا أعرف لماذا تمرّ بي ـ بين حين وآخر ـ وجوه كثيرة، أذكر بعضها بتفاصيلها التي تشترك ما بين الملامح الشكلية، والطبائع والصفات النفسية، وبعضها لا أكاد أذكر عنها شيئا ما عدا ملامح شكلية مشوشة لا تكاد تتضح، لكنها لا تزال موجودة في مكان ما في الذاكرة، تحتل جزءًا منها ولم تغادره بعد.. لم تفرغه لوجوه أخرى غيرها، ستأتي حتما ـ بحسب ما سيطول بنا العمر ـ وتزيحها وتجلس مكانها.
كثيرة هي الوجوه التي تمرّ بنا، تأتي وتذهب، قد تتمكن من البقاء في نفوسنا وذاكراتنا، وقد تغادرها قبل أن تتاح لها هذه الفرصة، ولكن من الذي يسمح لها بالبقاء؟ ومن الذي يطلب منها المغادرة؟ ومن الذي يقرر ما الوجوه التي تبقى منها وما التي تغادر؟ وكيف نصل لدرجة الاطمئنان لتلك الأحكام التي تقضي بالبقاء أو المغادرة؟ وكيف نتقبل ـ بعد ذلك ـ أننا أخطأنا في حكمنا، إن أخطأنا فعلا؟ وكيف يمكننا تجاوز تلك الأحكام الخاطئة، ومواصلة الحياة بعدها بالقوة نفسها، والإرادة نفسها، والرغبة نفسها في أن نكون «أحياء»؟
يستغرقني التفكير في تلك الوجوه كثيرًا، وأعجب حين أرى بعضها قد انتقل من ضفة في النفس والذاكرة إلى ضفة أخرى، أين كان وأين صار؟ كيف كان يُذكر، وكيف أصبح؟ كيف كان في العمق وشمًا، وكيف أصبح على السطح كطبقة طلاء أظافر يمكن لقليل من عطر، أو حتى أبسط احتكاك، أن يزيلها دون عناء يُذكر؟
هناك أشخاص نظن أنهم ما مروا في حياتنا إلا لينصبوا خيامهم في مساحات الروح الرحبة، ويضربوا أوتادهم في أعماقها، فلا تزيلها أشد العواصف هبوبًا، ثم نكتشف بعد ذلك أننا متوهمون، مخدوعون بالظاهر، أو متورطون في لعبة الوهم والخديعة.
ليس سهلا أن نكتشف مثل هذا الأمر، لكن صعوبة اكتشافه أفضل من الاستمرار فيه.
وفي المقابل، هناك أشخاص لا نراهم سوى عابرين في حياتنا، وجوه تكمل دائرة الوجوه التي يجب أن تحيط بنا في مشوار حياتنا، لا نرى لهم حقًا في أن نمنحهم جزءًا من حيز تفكيرنا، ولا نظرة من شبابيك أرواحنا شبه المغلقة على ما فيها من أفراح وأتراح. نظن أن أولئك المقصيين المنفيين إلى أبعد ما يمكن أن يكون الغرباء، لا يمكن أن يكونوا إلا هناك.. في البعد، ولكننا نكتشف، أو تكشف لنا الأيام، أننا أيضًا وقعنا ضحايا خديعة ما، هل نحن شركاء فيها؟ ربما، المهم أننا نكتشف بعد ذلك أنهم أقرب إلينا بكثير مما كنا نظن، وأن مرورهم الذي بدا لنا عابرًا في وقت ما، أصبح ركيزة أساسية من الركائز التي تقوم عليها حياتنا.. أليست هذه خدعة أخرى؟!
المسافة النفسية الظالمة قد تقصي أشخاصا كان من حقهم أن يكونوا أكثر قربًا من غيرهم، لا لسبب، سوى أنهم لم يكونوا محظوظين معنا بما يكفي لنسمح لهم بالاقتراب من تخوم أرواحنا المتعبة، التي كان من الممكن أن تتفيأ بظلال سكينة يستطيعون سكبها عليها ـ إن سمحنا لهم ـ، وغسلها بطهرها لتعود بيضاء نقية خالية من المحزنات والمكدِّرات، كما وُلدت.
هي المسافة نفسها، بظلمها نفسه ـ أقصد المسافة النفسية طبعًا ـ قد تدني أشخاصا لا يستحقون أن يحظوا بذلك القرب، ولا بتلك المكانة، ولكننا لا ننتبه لذلك إلا بعد فوات أوان قد يطول وقد يقصر.
لا أحد منزَّه عن الوقوع في مثل هذا «المطبّ»، الحذِر قد يقع فيه أكثر من المتهور، أو الذي تسير حياته «بالبركة» كما نقول في عاميتنا. جميعنا مهيئون جدا للوقوع في مطبّ الحياة هذا، فلا يوجد ـ على حسب ظني القاصر فقط ـ من لم يُخدع يوما بقريب ولا بعيد، ولم يكتشف أنه أخطأ في حساباته تجاه شخص ما، سلبًا أو إيجابًا، ولم يكن ـ بذلك ـ إلا ضحية نفسه الخادعة.
لا أعرف لماذا أرجع الوقوع في مثل هذا المطب الحياتي الطبيعي جدا في نظري الآن إلى خداع النفس، وإلى وقوعنا ضحايا لأوهامها، ربما لأنني سأشعر أنني كثيرة الإملال إن رددت الأسطوانة المحفوظة نفسها، التي تلقي بالأسباب على ميل الآخرين إلى الغش والخداع والزيف ولبس الأقنعة، وكل ما شابه ذلك من كلام قد يكون صحيحًا، لكنه يمنحنا شيئا من الإحساس بعدم المسؤولية تجاه ذلك، مع أننا شركاء فيه، سواء أقررنا بذلك أم لا.
لا أريد أن أبرئ نفسي، ولا أن أقدم أسباب البراءة لغيري، بل أريد «بشدة» أن أشعر أنني مسؤولة عن الوقوع في هذه «الأخطاء النفسية»، التي هي أكبر دليل على أنني أمثل جزءًا من منظومة الحياة، وأنا أدرك جيدا أنني سأقع في هذا المطب ـ الذي يتقاطع دون شك مع مفاهيم مثل حسن النية وسوئها، والسذاجة، وربما اللؤم، وغيرها ـ حتى وأنا في قمة إدراكي لذلك، لأننا لا نستطيع أن نتخلى عن أن نكون «أحياء».
منطق الحياة يقتضي منا أن نكون كذلك، ولو لم نكن كذلك لما كنا بشرا بطبيعة الحال، لكن المشكلة تكمن في كثرة تعرضنا أحيانًا لموجات الانتقال ما بين طرفي المعادلة، بين سالب وموجب، على نحو يجعلنا نشك في قدرتنا في معرفة الناس، وإدراك ما نظنه من أبسط تفاصيل حياتنا اليومية، ولكنه في واقع الأمر يبدو لي أكثر من ذلك بكثير، إنه شكل من أشكال معرفة الحياة بمفهومها العام، وذلك بفهم الإنسان، وهو الأمر الذي لم يكن سهلا ولا متحققًا لمن هم أكثر منا خبرة ودراية بالحياة وفلسفتها، فكيف بنا ونحن لا نزال نتهجى أبجديتها السهلة الممتنعة!
جامعة الإمارات
