انعقاد قمة رابطة الدول المستقلة في هذه الفترة، وفي كشنيوف عاصمة مولدافيا التي تستعد لانتخابات رئاسية عاصفة غالبا ستنتهي بإزاحة الرئيس الحالي وتولي رئيس جديد لمقاليد السلطة، يحمل معاني مهمة.
واللافت أن عددا من رؤساء دول وسط آسيا تغيب عن هذه القمة، بينما حرص على المشاركة فيها الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو، الذي أعلن رغبته في أن يلتقي مع الرئيس الروسي ميدفيدف خلال هذه القمة.
ولعل هذا الإطار الذي شكل منذ عام 1991، ليكون اتحادا لدول الفراغ السوفيتي السابق وبديلا عن صيغة الاتحاد السوفيتي، والذي رأى مؤسسوه الثلاثة، روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، آنذاك أن الاتحاد السوفيتي يشهد أزمة عميقة وتدهوراً خطيراً سينهي وجوده، وأن هذا الإطار هو البديل الواقعي لتطوير التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية والثقافية.
ثم توسعت الرابطة في نفس العام لتضم كلا من أذربيجان وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزيا وملدوفا وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، حيث وقّعت البلدان المذكورة في مدينة المآتا مع روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا لائحة المبادئ والأهداف لرابطة الدول المستقلة.
ويبدو أن هذه الصيغة هي السبيل الأمثل لتحقيق الطلاق بين 12 بلدا ارتبطت سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا على مدار سبعين عاما.
وكان فض الاشتباك يحتاج سلسلة خطوات وإجراءات، حتى لا تتأثر اقتصاديات هذه البلدان. ومن المعروف أن انهيار الاتحاد السوفيتي قد دمر حوالي 40% من اقتصاد روسيا، وازدادت هذه النسبة لتصل إلى 77% وأكثر في دول وسط آسيا التي كانت تعتمد بشكل كبير على دعم مركز الاتحاد السوفيتي.
وعلى مدار عشر سنوات تمكنت هذه البلدان من إعادة بناء أنظمتها الاقتصادية والسياسية بما يتلاءم مع مصالحها، وبدأ الحديث حول أنه حان الوقت للإعلان عن وفاة صيغة رابطة الدول المستقلة، إلا أن التطورات الجارية على الساحة الدولية، ونزوع مختلف التجمعات البشرية والدول لبناء أطر تعاون وتكامل، كان لا بد أن يفرض نفسه على دول ما زالت حديثة الولادة، وأصبح منطق التكامل الاقتصادي من أهم المحاور التي تصدرت جدول أعمال رابطة الدول المستقلة.
إضافة لملف لا يقل عنه أهمية، وهو التواصل الاجتماعي والثقافي الذي فرض نفسه، باعتبار أن شعوب هذه البلدان قد اختلطت وتزاوجت على مدار عشرات السنين، ولم يعد ممكنا فصل صلات القربى بينها بحواجز مصطنعة.
وبدأ يتبلور مضمون جديد لرابطة الدول المستقلة ليجعلها مؤسسة إقليمية قابلة للبقاء والتطور، ما دفع الاتحاد الأوروبي للإعلان عن مشروع جديد تقدم به إلى بلدان المجال ما بعد السوفيتي، يتضمن برنامجا للتكامل التدريجي معه.
ودعا للمشاركة في هذا البرنامج الذي سماه «الشراكة الشرقية» ست جمهوريات سوفيتية سابقة، هي أذربيجان وبيلاروسيا وأوكرانيا وأرمينيا ومولدافيا وجورجيا.
ولم تتلق روسيا دعوة للمشاركة في برنامج «الشراكة الشرقية»، مما دفع للاعتقاد بأن هذا البرنامج تحدٍّ للمصالح الروسية، ومحاولة لتصفية صلاتها مع دول الفراغ السوفيتي وإنهاء التوجهات الجديدة لرابطة الدول المستقلة.
وبدأت الجماعات الموالية للغرب في هذه الدول تروج لأهمية المشروع، وما يمكن أن يحققه من تزايد الاستثمار ومن ثمار لبرامج التعاون الثنائية والمتعددة الأطراف المتبادلة النفع مع الدول الأوروبية.
إلا أن الستمائة مليون يورو المعتمدة لتنفيذ برنامج «الشراكة الشرقية» ليست مبلغا ضخما، لا سيما وأنه مخصص لأربع سنوات طويلة، ما يعني أن من الصعب الحصول على مزيد من المساعدات الاقتصادية من أوروبا، إذ ان أوكرانيا لم تنجح في الحصول من الاتحاد الأوروبي على قروض جديدة لتسديد مشتريات الغاز الروسي، ما جعلها تضطر لطلب المساعدة من روسيا.
وفي هذا السياق يظهر الرهان على خلافات بين دول الرابطة، ويتم تضخيم تباين المواقف والخلافات لتوسيع الهوة بين أعضاء الرابطة، وهو ما لمسناه في تقييم المحللين الغربيين لغياب بعض رؤساء دول وسط آسيا عن قمة رابطة الدول المستقلة. ولا شك أن هذا التضخيم لا يستند لأرضية مقنعة، باعتبار أن هذه الدول ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية مع روسيا، ما يعني انتماءها للمشروع الروسي في المنطقة.
فبعض هذا الدول يحصل على إمكانات حماية الأمن القومي في مواجهة مخاطر الإرهاب والتطرف، والبعض الآخر يحصل على الطاقة من روسيا ويجد أسواقا ذات أهمية كبرى لمنتجاته في الأقاليم الروسية.
خبيرة الطاقة الروسية