أعتقد ان كثيرين مثلي فرحوا بالمشروع الذي كشف عنه حسين لوتاه مدير عام بلدية دبي في الحوار الذي نشرته «البيان» امس الاول، والذي يطمح الى اعادة الفريج كوحدة اجتماعية تتشكل منها الأحياء السكنية في دبي.. الصور والتصورات التي طرحها اللقاء المفصل أرجعتني لسنوات الطفولة، مثلما أرجعتني الى ذلك الزمن الدافئ بعلاقاته، حينما كانت كل نساء الحي امهاتنا وكل رجال الحي آباءنا وكل اطفال وصبية الحي اخواننا والصبايا اخواتنا، حينما كانت اللحمة الاجتماعية والتعاضد والتكافل الاجتماعي من البديهيات ومن الامور الطبيعية، وكانت خيمة الأمن والأمان تظلل البيوت كلها، وحينما كانت الابواب والشبابيك مفتوحة لا تغلق نهارا وليلا.
طفت مع افكار المشروع ومع نواياه وتوجهاته واشتعلت شمعة الذكرى وعقدت المقارنات والمقاربات في اللحظة ذاتها وأنا اتأمل حينا الذي نسكن فيه اليوم، صحيح ان اهله طيبون وهادئون لكننا ومنذ اربع سنوات وحتى اليوم نعيش ايقاع الانعزال والانغلاق. تمر الايام وتمر المناسبات لا جار يطرق باب جاره ولا احد يسأل عن أحد.. ابوابنا مغلقة الخادمات والعاملات في المنازل هن وحدهن يتقين اكثر مننا كجيران حينما تجمعهم فرصة كنس التراب من الابواب.. هكذا وصل الحال بنا من الانعزال والانغلاق اليوم، وفي الوقت ذاته كل منا يتذكر في عزلته هذه حيه القديم ويتذكر ناسه وجيرانه الذين اصبحوا اهله واسرته الكبيرة.
دفعني مشروع البلدية الى حالة من شجن الذكريات وتداعيات الصور القديمة، تذكرت الاسماء وملامح الوجوه، وشعرت بدفء العلاقات يدب في مفاصيلي..انتباه مهم ومشروع اهم، بل هو حاجة ماسة، بعد ان تفككت تلك الاحياء العريقة في دبي وتفرق ناسها وتشتتوا وغابوا خلف نوافذ الابنية الزجاجية وهدير الحداثة وحالة الاقتلاع من جذور الامكنة.
وانا اقرأ سطور المشروع وألتهم الكلمات بكلتا عيني فرحا، تذكرت أيضا حديثا قبل عام مع صديق حميم يوجعه امر غياب الهوية والناس عن الفرجان القديمة والعريقة في دبي..يومها اذكر قال لي سمعت ان الحكومة تفكر في اعادة تأهيل بعض الفرجان القديمة في ديرة والتي هجرها ناسها الى المناطق الجديدة.
وقال ان الفكرة تقوم على اعادة بناء البيوت بتفاصيل معمارية ذات هوية محلية وسيتم تشجيع الناس على العودة للسكن فيها، يومها اذكر انني قلت له انا اول من سيعود مع عائلتي..فعلا ما حدث هو اننا هجرنا اهم المواقع في المدينة، تركناها وذهبنا، ليس بإرادتنا ولا بقصدية من أحد، ولكن هي الأمور جرت هكذا، توسعت دبي وتطورت والناس هجروا فرجانهم القديمة ذات البيوت الضيقة والبناء القديم بحثا عن الحديث والتحديث وهذا امر طبيعي.. لكن ما خسرناه هو الموقع وما خسرناه هو الالفة وما خسرناه هو الحياة في الحي.
مشروع بلدية دبي والذي فصله مديرها العام تفصيلا دقيقا لن نطلق عليه مشروعا حضاريا فقط، ولكنه مشروع يصب في صميم أهداف الهوية الوطنية، ويعيد بناء مجتمع اللحمة ويوفر درجات كبيرة من الامان ويستهدف السلوك الاجتماعي والفردي ويعيد ارتباط الانسان بمكانه واشياء جميلة اخرى لا حدود لها.
