مثلت أفغانستان نقطة محورية في الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث طالب بسحب القوات الأميركية من العراق والتركيز على الحرب في أفغانستان من أجل القضاء على الإرهاب. وبالطبع لم تخل هذه الرؤية من براغماتية انتخابية.

حيث خشي المرشح الديمقراطي من أن يتهم بالتخاذل من اليمين الأميركي بسبب مطالبته بسحب القوات من العراق، فزايد عليهم بالمطالبة بالمزيد من الحرب في أفغانستان، ولكن جاءت تطورات ما بعد الانتخابات لتؤكد أن الرئيس الأميركي يواجه موقفا صعبا، بل مأزقا حقيقيا في أفغانستان، ليس فقط بسبب الهجمات التي تتعرض لها القوات الأميركية والتي يروح ضحيتها جنود أميركيون، ولكن بسبب الخيارات الصعبة المتاحة أمامه في الوقت الراهن.

وتكمن المحنة في أن الرئيس أوباما يسعى إلى زيادة القوات الأميركية في أفغانستان، ويرى كبار القادة هناك أن هذا الخيار لا مفر منه، في الوقت الذي يريد فيه معظم الدول المشاركة في التحالف هناك أن تسحب قواتها أو أن تخفض عددها.

وهو ما يعني أن القوات الأميركية إن أرادت أن تزيد عدد القوات، عليها أولا أن تعوض القوات التي سوف تنسحب ثم تزيد على ذلك عدة آلاف أخرى، وهو ما يعني المزيد من الانخراط الأميركي في الحرب في أفغانستان، والمزيد من الضحايا، بما يؤكد أنها يمكن أن تصبح فيتنام أوباما، على عكس ما كان المحللون يتوقعون أن تكون الحرب في العراق.

إضافة إلى خيار زيادة عدد القوات، هناك خيارات أخرى أصعب على الولايات المتحدة أن تتخذها، وهذه الخيارات يمكن أن تتناقض مع سياسات أميركية معلنة. وعلى رأس هذه الخيارات يرى محللون أميركيون وآخرون ممن لديهم خبرة بشؤون منطقة وسط آسيا والإسلام السياسي هناك، أن نجاح الولايات المتحدة في أفغانستان يتطلب فتح حوار مع حركة طالبان، ويرون أن هناك اختلافا كبيرا بين هذه الحركة وبين تنظيم القاعدة الذي تدخلت الولايات المتحدة في أفغانستان من اجل القضاء عليه.

وهذا الخيار يتناقض مع الخطاب الأميركي في بداية التدخل الذي لم يفصل بين طالبان والقاعدة، فضلا عن أنه يترك أفغانستان أسيرة لهذا التنظيم، ويعتبر تخليا من الولايات المتحدة عن حلفائها هناك وعلى رأسهم الرئيس حامد قرضاى، ولا يوجد ضمان بألا تؤوي طالبان بعد سيطرتها هناك تنظيم القاعدة أو عناصر منه أو تنظيما آخر مماثلا له.

وهذا الخيار طرح بالطبع في ظل تطورين، أولها سيطرة طالبان على مناطق متعددة من أفغانستان، والثاني ما بدا من ضعف الدولة التي تسعى الولايات المتحدة لتأسيسها هناك وهشاشتها، وعدم إمكانية سيطرتها على الوضع إلا بمساعدة أميركية واضحة، وأيضا عدم قناعة الشعب الأفغاني بشرعية هذه الحكومة، بسبب الفساد الذي ينتشر في أفغانستان وبعضه له علاقة بمقربين من الرئيس قرضاى، وهو الأمر الذي أثر على شرعية الحكومة من جهة، وأعطى شرعية لطالبان من جهة أخرى، علاوة بالطبع عن التحالفات القبلية التي استطاعت طالبان أن تقيمها في الفترة الأخيرة، خاصة مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية الأفغانية.

أما ثالث الخيارات فهو ما يتعلق بضرورة التعاون الأميركي الروسي من أجل إيجاد حل للمعضلة الأميركية في أفغانستان، وهو الأمر الذي يتطلب تعديل سياسات أميركية خاصة بدول أخرى في منطقة آسيا الوسطى، وهذا الأمر يمكن أن يحدث معارضة داخلية لأوباما، ويتطلب موافقة من حلف الناتو.

فوفقا للكاتب العربي المتخصص في الشأن الروسي ماجد الشيخ، فإن المسألة الأفغانية تشكل الآن واحدة من مسائل تفرض أولويات على بنود أجندة التعاون بين روسيا والناتو، حيث تنظر روسيا بجدية إلى احتمال تحوّل الوضع الأفغاني باتجاهات دراماتيكية، من قبيل أن ينسحب الناتو من أفغانستان، تاركا وراءه حركة تمرد قوية، نما عديدها وتطورت قدراتها.

ولهذا تخشى موسكو تغلغل «التطرف الطالباني» على يد «طالبان القاعدية» ذاتها، أو على يد أطراف أخرى مشابهة لها في الدول المجاورة، والتي يوجد فيها مصالح مهمة لروسيا. وهذا ما يفسر جديتها في الاهتمام بما يجري أو سيجري مستقبلا في أفغانستان

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com