شعرة معاوية الشهيرة التي ألهمت كثيرا من العقول على التعامل بدبلوماسية وروية مع الناس، يبدو أنها لا تجدي نفعا في زماننا المتقلب الذي كلما أطعمت الأفواه لا تستحي العين، وبالمثل أصبح الواقع في هذا الزمن يقر ويعترف بمبدأ واحد وهو المصلحة والمصلحة فقط، بل إن البشر أصبحوا مثل حقائب السفر الملغومة المهربة عن العيون، تبحث عن مصلحتها الخاصة على جميع الموائد، دون أن يكون شعارها الحمد والشكر والشعور بالامتنان.
فما أكثر الباحثين عن وطن بديل يحنو عليهم ويحتضنهم، ويقدم لهم الفرص الحقيقية في العيش الكريم والرغيد، هؤلاء الذين أجبرتهم ظروفهم الصعبة على فكرة المغامرة في بلد آخر، بحثا عن مأوى يعيش فيه الإنسان معززا مكرما، ورغم ذلك تجده يأكل من اليد ويدعو عليها بالكسر. هؤلاء أصدقاء الشر الذين اجتاحوا بلداننا.
وتخللوا تفاصيل حياتنا، وعاشوا ردحا من الزمن في كنف الأمن والأمان، لكن حين تحاول أن تقترب من فكر بعضهم تفاجأ بأنهم يحملون لك حقدا وكراهية، ونظرة ازدراء وفتن، هؤلاء الذين ينسون أنهم في وطن كان أكثر حنانا من بلدانهم، وأكثر طيبة من بني جلدتهم، ورغم ذلك لا يزالون يتنكرون لهذه الفضائل ويدعون أنهم صنعوا وبنوا وأسسوا، وتناسوا تلك العقارات التي يمتلكونها، وتلك الأرصدة التي تمتلئ بها حساباتهم، وتلك التسهيلات التي قدمت لهم كي يحققوا ما عجزوا عن تحقيقه في بلدانهم.
الجحود والنكران الذي يصيب المواطن بالغثيان في ظل وضع فكري عروبي مترد، لا يسعفه أن يمسك بيده شعرة معاوية طويلا، وفي الحقيقة هو لا يريد أن يقطعها، ولكن آن له أن يتركها، لأنه محاصر بمختلف الجنسيات التي لا تحسده فقط على النعمة التي من الله بها عليه، وإنما تحاول أن تسرق منه اللقمة السائغة التي ما إن تصل إلى فمه حتى يلقفها أولئك المشردون الذين عرفوا من أين تؤكل الكتف.
وطالما كانت دوامة الحياة تمضي في صيرورتها بين مواطن يعيش على راتبه وغير مواطن يعيش في حبور، فإن سفينة الحياة لا تتعثر إلا بتلك الهجمات التي تنغص على المواطن حياته، والتي يشعر معها بأنه يعيش في وطن يكتسحه الغرباء، ويتفاقم إحساسه بالغيرة تجاه من تسول له نفسه أن يتلاعب بمصير هذا الوطن الكريم الذي يشرع أبوابه للقاصي والداني.
وحين تجد أن البعض منهم يصيبك في مقتل حين تلمس مدى ما ذهب إليه من كره تجاه بعض السياسات السيادية التي اتخذتها الدولة مؤخرا، فأولئك الذين نظموا صفوفهم للنيل من سمعة البلد داخلا وخارجا، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها وصبوا جام غضبهم بنزيف من السباب والشتائم والدعوات بإبادة هذا البلد الطيب واستباحته، تفاجأ بأنهم لا يزالون هنا بين ظهرانينا، يعيشون في بلد الأمان، ورغم ذلك يكرسون وقتهم لزرع الفتن والأحقاد، والتساؤل الذي ليست له إجابة حتى اللحظة هو السبب الحقيقي الذي يقف وراء تصرفات هؤلاء التي تشعر معها بأنك منسلخ عن عروبتك، لأنهم ينظرون لك بنظرة لا تتناسب مع إحساسك بأنك أيضا أخ لهم في العروبة!
النظرة التي انسحبت على أبناء الوطن بأنهم رعاة لا يستحقون نعمة البترول، هي نفسها لا تزال تختلج في نفوس البعض، وكم لمسنا هذا من قبل مثقفين وليس من قبل الناس البسطاء، وما إن يطفح الكيل إلا وتبدأ هذه المواقف بالتجدد، ولا ندري متى تنتهي هذه الهزائم العربية التي تظل مكبوتة وعلى استعداد لأن تبيع التاريخ في وقت الشدة، ولنا أسوة حسنة في اجتياح الكويت وردود الفعل التي أظهرت الصديق من العدو.
إن هذا الوطن بما يقدمه من فرص سانحة للقريب والبعيد، يمثل الحلم في أوج ألقه، ويمثل الفكر السياسي الحكيم، ويبرهن على العقليات الإدارية المنظمة التي سعت لرفعة هذا البلد بمن يسكن عليه دون تمييز، لذلك تجده في حالة ثورة دائمة من أجل تعميم التجربة الأكثر شبابا بين مختلف الدول العربية، فمن الصعب بعد ذلك تقبل أن يأتي الغريب ليسعى لإفشال هذه المشروعات التنموية التي ترقى بنظمها الإنسانية منهاجا وعملا، ومن غير اللائق أن نترك أولئك الذين يزيد حنقهم يوما بعد يوم دون رادع، وكم طال السكوت على من سولت له نفسه إشعال حرائق الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولعل الجميع بات يفهم لمن يعمل هؤلاء ولمن ولاؤهم الأكبر، ورغم ذلك تجدنا أرحم بهم من القريب.
إن القنابل الموقوتة التي تسمى بشرا، لا يحملون جنسية بعينها فهم من كل نوع ولون، وكما يقال احذر من عدوك مرة واحذر من صديقك ألف مرة، فإن الصداقة الحقيقية اليوم واضحة وضوح الشمس وهي صداقة الفلس والدينار، صداقة اللحظة التي يمكن أن تنقلب إلى غدر وزيف بمجرد اختلاف المصالح.
وكم يدفع الوطن فاتورة طويلة نتيجة الإساءات التي يقوم بها بعضهم، الذين استباحوا معظم الخدمات في الدولة وتمتعوا بمستوى عال من البنية التحتية، واستهلكوا كثيرا من خيراته، دون أن يدفعوا درهما واحدا يساهمون به في ميزانية الدولة التي أعفتهم من عبء الضرائب والرسوم التي يتكبدها غيرهم في الدول الأخرى، ومع ذلك تجدهم يحنقون على ابن البلد حين يحظى ببعض امتيازات المواطنة، وسؤالهم الدائم «أشمعنا هو» ولكن يبقى الإحساس أعمق من الكلام.
كاتبة إماراتية