هذا هو العنوان الذي حملته إحدى الصحف الفرنسية عام 1888، بإعلانها خطأ وفاة ألفريد نوبل الكيميائي السويدي، بينما كان لم يزل المسكين على قيد الحياة يأكل الفطير في منزله. لقد اتهمته الصحيفة بأنه أصبح من كبار أثرياء العالم، بعد أن تسبب في زيادة أعداد القتلى في أقل فترة زمنية من خلال اختراعه لمادة الديناميت.
عندها فقط وأمام توبيخ الضمير والعالم، قرر الفريد نوبل إعلان جائزته لكل من يساهم في الحد من الحروب بين البشر ونشر السلام. ولكن، كان الوقت متأخرا، ومنذ ذلك اليوم والعالم يسير في كل اتجاهات الحروب مستخدما كل أنواع الديناميتات المختلفة الأشكال والألوان، لأجل إبادة نفس الجنس البشري من على كوكب الأرض، إما لاختلاف لونه، أو عقيدته، أو بلده، أو لمآرب أخرى يعرفها الجميع، وليس كما تفعل حيوانات الغابة في البحث عن طعامها اليومي.
وما زال العالم إلى هذه اللحظة يحاول دون جدوى أن يكافئ رجاله ونساءه في مساعيهم لأجل تقليص حدة الموت وترقيع ثقوب الحروب وإحلال السلام في العالم، بعد مرور أكثر من مائة عام على وفاة صاحب الجائزة، هذه الجائزة التي أثير حولها الكثير من النقاش والجدل واللغط، كون نوبل (يقال) إنه من أصل يهودي، وأن جائزة نوبل وقعت في يد لوبي يهودي، وأن 23% من الذين ذهبت إليهم هذه الجائزة من أصل يهودي، أي أن نسبة 1 من كل خمس جوائز تذهب ليهود، مع أن عدد اليهود في العالم لا يتعدى 13 مليون نسمة فقط، وأنها لا تذهب إلا إلى من يدعم قضاياهم. ولذلك لا نجد من بين المسلمين (7 ,1 مليار نسمة!) والعرب (400 مليون تقريبا) سوى رقم يعد على أصابع اليد الواحدة، ومعظمهم ذهبت إليهم هذه الجائزة لحاجة في نفس من يقف وراءها.
في عام 1964 رفض الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذه الجائزة ساخرا من أصحابها ومانحيها، رافضا الاستسلام لفئة من البشر تمارس نوعا من المبادئ التي لا تؤمن بها حقا، ومتسائلا إن كان من منحه إياها قد فهم كتبه أو على الأقل قرأها!! مع أنه كان في ذلك الوقت في أمس الحاجة إلى أصغر فرنك في جيبه، رفضها احتراما لفلسفته التي تدعو لحرية البشر من عبودية البشر.
إنها مسألة مبدأ ومسألة موقف ومسألة شرف، واليوم يعود اللغط مرة أخرى حول منح هذه الجائزة في الكيمياء إلى عادة يونات وهي إسرائيلية، وأخرى في الآداب إلى هيرتا مولر التي لها هي أيضا أصول يهودية.
الكل يعلم أن جائزة نوبل حسب وصية صاحبها، يجب أن لا تكون حكرا على جنسية أو لون أو مذهب، غير أن الواقع غير ذلك. فقد تم تسييس هذه الجائزة بما يخدم فئة من البشر الكل يعرفها، وإلا كيف استحق شمعون بيريز هذه الجائزة؟ هل عن عملياته الإرهابية ضد الفلسطينيين أم اللبنانيين؟ ألم يكن من بين مخططي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أو من مؤيدي اجتياح لبنان عام 1982؟ أليس هو أيضا الداعية الأكبر لبناء المستوطنات في الضفة الغربية على حساب مزارع الزيتون والليمون وعلى حساب بيوت فقراء الفلسطينيين؟ أولم يكن صاحب فكرة الحزام الحدودي الأمني في جنوب لبنان في سنوات الثمانينات والتسعينات؟!
أيا كان الأمر، فالجائزة قد منحت، ولو أنها لم تعد بذلك البريق السابق بعد طرح العديد من التساؤلات حولها والتشكيك في موضوعيتها وحيادها وحول مانحيها واللوبي الذي يسيطر عليها.
والمواضيع التي استحقت عليها هيرتا مولر جائزة نوبل في الأدب، حسب رأي المانحين، تدور حول الدفاع عن الفئة المحرومة من البشر، في عالم يموج بالتناقضات والأزمات الإنسانية والمالية والاقتصادية وعصابات المافيا والجوع، والاتجار بالبشر وبأعضائهم مقابل حفنة من الدولارات تسد لديهم رمق الحياة، لتصبح جائزة نوبل أشبه بقطرة ندى على رأس شوكة في شجرة صبار، فلا هو في حاجة إليها ولا هي في حاجة إليه.
وليت قيمة هذه الجائزة التي تبلغ ما يقارب المليون ونصف المليون دولار (لكل جائزة)، تمنح إلى فقراء العالم الذين تدافع عن فقرهم هيرتا مولر، وليتنا نعلن ـ نحن المسلمين والعرب ـ جائزة عالمية بمستوى جائزة نوبل، باسم جائزة الإسلام للسلام، تنافس هذه الجائزة غير العادلة والتي فيما يبدو قد أصابها الهرم ومرض الشيخوخة، وما عادت تثير لا إعجاب الرجال ولا حقد النساء، وإنما ما تحتويه صرّتها.
جامعة الإمارات