لم تفاجأ إسرائيل وحدها بأن العرب قادرون على شن هجوم عسكري عليها، ويمتلكون القدرة على تحرير أرضهم المحتلة، وأن الجيش المصري العظيم عبر قناة السويس، الحاجز المائي العصي على العبور، خاصة بعد دعمه بخط بارليف الدفاعي، وأن الجيش السوري حرر معظم أراضي الجولان المحتل، وأن العرب عامة قادرون على مفاجأة عدوهم ببدء حرب جدية شاملة، بدا منذ الوهلة الأولى أنهم أعدوا لها جيداً، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وإعلامياً.
إذن، كان يبدو أن ليست إسرائيل وحدها التي فوجئت، وإنما أيضاً أجهزة المخابرات العالمية والحكومات الأوروبية والأميركية، ولم يصدق معظم مراكز القرار في العالم أن هذه الحرب هي حرب شاملة محددة الأهداف والأساليب، وأن العرب انتقلوا خلال سنوات، بين حربي يونيو 1967 وأكتوبر 1973، من حال إلى حال، وأنهم تجاوزوا هزيمتهم النكراء في الحرب الأولى واستعادوا قواهم، وحولوا جيوشهم ومجتمعاتهم خلال ست سنوات من جيوش مفككة مهزومة ومجتمعات قانطة يائسة، إلى جيوش ومجتمعات متماسكة محاربة مدربة قادرة على الصمود، حتى كادت الحكومة الإسرائيلية بقيادة غولدا مائير، ووزير دفاعها موشي دايان أن تنهار، وفكرت باستخدام القنبلة الذرية.
رغم الكوارث العالمية التي سوف تنجم عن استخدامها، إلى أن جاء الدعم الأميركي غير المحدود والمواقف السياسية العربية المترددة، فتغيرت مجريات الصراع وطرقه، ولعب «العزيز» هنري كيسنجر (وكان رئيساً لمجلس الأمن القومي الأميركي) لعبته، إلى أن وصلت الأمور إلى اتفاقية الكيلو 101 وسياسة الخطوة خطوة، التي قبلها العرب، وخسروا سياسياً بعد أن ربحوا عسكرياً، ولعلها كانت من المرات النادرة في التاريخ التي يخسر فيها طرف سياسياً بعد انتصاره عسكرياً.
كان الموقف الإعلامي العربي ملفتاً للنظر، وأذكر أننا كنا، نحن الصحفيين، نرصد الموقف السياسي والعسكري في حرب أكتوبر، ونعبر عنه بما هو أقل من الانتصارات العربية السياسية والعسكرية، ولم يُتح لنا أثناء الحرب حتى القول إننا على طريق النصر، فكنا في الخلاصة هادئين و«عاقلين» حتى البلادة، وموضوعيين إلى درجة الانتقاص من انتصارات جيوشنا وشعوبنا، وكان الضغط السياسي علينا كثيفاً لئلا «نشط أو ننط» أو نبالغ، وكي لا نقع في ما وقعنا فيه أيام عدوان يونيو 1967.
حضرت كصحفي في مايو 1967، أي قبل العدوان بأسابيع، مؤتمر الاشتراكيين العرب في الجزائر، الذي شاركت فيه الأحزاب القومية والتقدمية والاشتراكية العربية، وأذكر الخطب النارية التي ألقيت في ذلك المؤتمر من معظم المتحدثين، والتهديد الصريح لإسرائيل الذي أطلقوه فيما إذا اعتدت رداً على إغلاق مضائق «تيران»، والتلميح بالمصير الأسود الذي ستلاقيه إذا بدأت الحرب.
وأذكر بهذه المناسبة أن خطاب السيد جلال الطالباني، رئيس جمهورية العراق الحالي والذي كان مشاركاً قي المؤتمر ممثلاً لحزبه، لم يكن أقل نارية من غيره، لكنه كان ممزوجاً ببعض الوصف «الماركسي» للمجتمعات العربية ولدور البرجوازية الصغيرة، والتي كان يستطيب أن يسمي منتسبيها باسمهم الفرنسي «البيتي بورجوا»، وأراه اليوم غيّر ما كان عليه فسبحان مغير الأحوال.
لم تكن كتاباتنا، نحن الصحفيين، قبل عدوان يونيو 1967 وأثناءه بأقل نارية من خطابات السياسيين، وعندما كان يحاول أحدنا أن يطبق أصول المهنة، أي أن يحلل الموقف بموضوعية وهدوء وبرودة أعصاب، كان يوبخ من السياسيين ويتهم بالتخاذل، أما بعد العدوان الذي لم يدم أسبوعاً، والهزيمة النكراء (والبلقاء)، فقد أخذ السياسيون يلقون بالمسؤولية جزئياً على الصحافة ووسائل الإعلام التي حرضوها على رفع الصوت وتسخين الموقف، وأخذنا نحن والسياسيون نبحث عن مبرر للهزيمة بديلا عن سببها الحقيقي، فتارة نلقي اللوم على الأميركيين الذين دعموا إسرائيل دعماً مطلقاً، وتارة أخرى على السوفييت الذين لم ينجدونا، ولم نتعرض البتة لهشاشة الأنظمة وفقدان الاستراتيجيات، وعدم استعداد الجيوش والمجتمعات وإدارة الدولة للحرب.
لكن الشعب الذي كنا نعتقد أنه ساذج لم يفقد البوصلة، وألقى المسؤولية على من يجب أن يتحملها، وذلك بسلوك سبيل السخرية و«التنكيت» والشعر الشعبي والتورية، فكان «العامة» والشعب، هم الذين يعرفون بدقة من المسؤول عن الهزيمة (ومين اللي خان بهية واللي قتل ياسين)!
وعلى أية حال، لعل هذا الحماس في يونيو هو الذي جعلنا حذرين في حرب أكتوبر وهادئين و«عقلاء» وموضوعيين لدرجة الانتقاص من انتصاراتنا. والخلاصة أن جيلنا الصحفي أضاع فرصته مرتين، الأولى أن يكون موضوعياً قبيل وخلال عدوان يونيو بسبب طلب السياسيين منه خطابات نارية، والثانية أن يكون موضوعياً خلال حرب أكتوبر بسبب حذره أولاً وضغط السياسيين بأن لا يذهب بعيداً، فلم نفلح (أو نستمتع) بتحليل متوازن شامل له مقدمات صحيحة واستنتاجات صحيحة، لا هنا ولا هناك.
بعيد عدوان يونيو 1967، أدرك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر حجم الهزيمة وشروط تغييرها، فصالح سياسيا العرب وتصالح معهم في مؤتمر الخرطوم (باللاءات الثلاث المشهورة)، وبدأ إعادة بناء الجيش المصري وإطلاق حرب الاستنزاف التي كانت من اخطر ما واجهته إسرائيل حتى ذلك الوقت، ونقل منظمة التحرير الفلسطينية من على الورق ووضعها بين يدي قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة، وما إن مضت سنتان حتى توسطت إسرائيل بجميع دول العالم لوقف حرب الاستنزاف، وعبرت عن استعدادها لدفع ثمن مناسب مقابل ذلك، فكانت مبادرة روجرز وزير الخارجية الأميركي ولجنة غارنغ ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وغيرها، ولكن عدم التقاط السياسة العربية للفرصة أضاعها، كما أضاعت سياسة الخطوة خطوة نتائج حرب أكتوبر.
حرب أكتوبر، مجد عربي تراجع، ونصر عربي تلاشى أو كاد، وبداية نهوض عربي متعدد الجوانب أجهضت، ولعل ذكريات الحرب السعيدة ما زالت مغروسة في ذاكرة من عاشها، فمن يذكر تلك الأيام؟
كاتب سوري
