من يتصدى لسؤال: «القدس لمن؟» لا بد أن يحظى بعدد من الملكات والقدرات الخاصة.. في طليعتها روح المغامرة، والدراية الواسعة بتاريخ الشعوب والأديان ولاسيما في قلب العالم القديم، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة والمطامع التي يختلط فيها الروحي الديني بالمادي الدنيوي.

وكيفية التمييز بين الواقع والحقيقة وبين الأسطورة والخيال. هذا إلى جانب استخدام لغة حيادية أو قريبة من الحياد؛ لا تغضب فريقاً من الفرقاء أو أحدا من المدعين الكثر حول المدينة المقدسة بالحق التاريخي أو الديني أو المدني السياسي السيادي أو بذلك كله.

ويبدو أن كولن تشابمان آنس في نفسه توفر معظم هذه المعطيات والشروط، فاجتهد في الإجابة عن هذا السؤال، وبث محاولته في كتاب صدر بالانجليزية وترجم إلى العربية عام 2008 في القاهرة. وتشابمان هو في الأصل قس انجليزي بالكنيسة الأسقفية (الانجليكانية)، وهذا يمنحه ميزة المعرفة الدينية..

وقد خدم لمدة 17 عاماً في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، كما أنه متخصص في الدراسات الإسلامية والعلاقات المسيحية الإسلامية.. وهذه مؤهلات تسمح لحاملها أن يدلي بدلوه حول مكانة القدس في تاريخ «الشرق أوسطيين»، وغير الشرق أوسطيين من يهود ومسيحيين ومسلمين. كذلك فان تشابمان «مشهور دولياً في مجال الحوار بين الأديان..»..

وهذه خلفية مواتية لمن أراد التوفيق والإصلاح بين الناس وأتباع الديانات.

كتاب تشابمان يعكس قدرته الفائقة على السرد التاريخي السياسي الديني، المعمق والموجز في آن.. كونه تمكن عبر تسعة فصول من عرض تطور قضية الصراع على القدس وداخلها، منذ عهد داوود وسليمان إلى احتلالها صهيونياً وإسرائيلياً بالكامل عام ,1967.

ولم تفته الإشارة إلى موقع المدينة من المفاوضات التي جرت خلال عهد الاحتلال، وصولاً إلى مرحلة أوسلو وما بعدها. وعندما أوشك على نهاية دراسته، سعى تشابمان في فصلها العاشر (الأخير) وخاتمتها، إلى إبراز وجهة نظره الخاصة في كيفية تسوية هذه القضية، التي باتت لديه تخص العالم أجمع تقريباً، مجيباً عن سؤاله الأم: القدس لمن؟

يعتقد تشابمان أن تاريخ القدس يقع على شكل طبقات كل منها فوق الأخرى، «فيه اليهودي وفيه المسيحي وفيه الإسلامي».

ويرى أن المسيحيين اضطروا للتخلي عن دعاوى أحقيتهم فيها بسبب كارثة «الحروب الصليبية».. لكن ظاهرة جديدة طرأت منذ القرن التاسع عشر، تمثلت في قراءة بعض المسيحيين أسفارهم المقدسة، بطريقة جعلتهم يتصورون أن أحلامهم يجب أن تتحقق في عودة اليهود إلى فلسطين.. وهذا ما أنتج التحالف بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية بمضامين سياسية واسعة النطاق.

ويمضي تشابمان إلى أن احتلال المدينة عام 1967، ولد العزم لدى هذا التحالف بأن لا يتخلى عن السيطرة عليها واتخاذها عاصمة موحدة غير قابلة للتقسيم لدولة إسرائيل. غير أن هذا الحلم يواجهه حلم فلسطيني يتوعد بأن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية.. وكان من شأن هذا التعارض إحباط المفاوضات وإفشال أي حل سلمي.

على سبيل التوفيق، يعتقد تشابمان أنه يجب إيجاد طرق للاعتراف بأفضل ما يتضمنه الحلمان الصهيوني الإسرائيلي والفلسطيني الإسلامي، والسماح لهما بأن يعيشا جنباً إلى جنب. والمطلوب لإنجاز هذا الحلم (الثالث) البديل، هو «قدس مفتوحة ذات سيادة مشتركة..». وبعدئذ، أي بعد التلاقي على هذا المبدأ العام، على الجانبين الصهيوني والإسلامي أن يحركا السماء والأرض، لوضع كافة التفاصيل التي يمكن أن تجعل هذا الحلم حقيقة.

هذه إذن إجابة المؤلف عن السؤال الذي حير العالم طويلا: مدينة مفتوحة ذات سيادة مشتركة لأتباع الديانات الثلاث. وهذا اجتهاد يغبط عليه الرجل.. بيد أن القضية أكثر تعقيداً من تناولها بهذه المقاربة العامة والبسيطة، رغم طابعها الإنساني.

وفي تقديرنا أن تشابمان صفف تاريخ القدس وصنفه، انطلاقاً من شخصيته الدينية الحوارية، ولم يعتن بالتاريخ الطبيعي المدني السياسي والسكاني للمدينة، المرتبط بسياقها الحضاري الجغرافي الحقيقي.

والفارق بين التاريخين (الديني الضيق والحضاري الواسع) كبير وبالغ الدلالة بالنسبة لمصيرها النهائي. بالمعنى الديني، تظهر القدس كمدينة يتساوى أتباع الأديان السماوية الثلاثة في دعواهم تجاهها، وصولاً إلى احتمال إقامة الحجة للسيادة عليها.

أما بالمعنى الحضاري، فان للتاريخ كلمة أخرى مغايرة، تقول بأن القدس مدينة عربية بالنشأة وبالموقع الجغرافي، وتقع في محيط حضاري عربي إسلامي. ومؤدى ذلك أن دعوى الفلسطينيين العرب (مسلمين ومسيحيين) بالسيادة عليها، تبقي مبررة ومفهومة ومعقولة.. فيما يظل للآخرين حق حرية الزيارة والعبادة والتعبير عن المكنونات الروحية.

العيب الأساسي في مقترح تشابمان ـ الذي يبدو مغريا لكثيرين ـ أنه يتخذ من النوازع الدينية التي تجعل البعض يحن للمدينة المقدسة، سبيلاً لادعاء السيادة عليها. وهذا هو العيب ذاته الذي سبق أن أشعل الحروب الصليبية التي يعترف هو نفسه بأن «العرب أسموها غزوات الفرنجة..»، لأنهم ميزوا بين نوازع الدين وبين مطامع السياسة.

ويتجاهل تشابمان في استعراضه لتاريخ المدينة، الاستطراد الضروري للذين أنشؤوا المدينة أول مرة.. هو يبدأ تاريخها منذ ترددها في «العهد القديم»، بينما هي أقدم نشأة وسكنى من ذلك التاريخ، كما يتجاهل أن القدس وإن عرفت تاريخاً دينياً كطبقات بعضها فوق بعض، إلا أن لها تاريخاً ثابتاً يتعلق باستقرار العرب فيها على مر التاريخ، وبحيثية عابرة للطبقات التي يتحدث عنها.

الوجود العربي في المدينة يمثل أحد الثوابت الكبرى في حياتها قبل إطلال الديانات الثلاث وبعده.

والواقع أن القدسية الدينية للمدينة ليست هي العامل المحدد الوحيد لاتخاذها عاصمة لفلسطين وللفلسطينيين.. بل هناك محددات أخرى، اجتماعية واقتصادية وجيوستراتيجية مهمة جداً بين يدي تبرير هذا الخيار؛ كان على القس المبجل أن يلاحظها.. ولو أنه فعل ذلك، لأدرك لماذا لم يتنازل الجانب الفلسطيني يوماً عن دعواه بكون القدس عاصمة لدولته المأمولة، ولا قبل بتنحيتها عن مركز القلب من مشروعه الوطني، في كل مراحل الصراع مع المشروع الصهيوني.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com