مرة أخرى بعد الكثير من المرات، يقع الفلسطينيون ضحية الصدام بين قوة حقهم وحق القوة لدى المحتل الإسرائيلي، فالسياسة هنا محكومة دائماً بموازين القوى المختلة لصالح إسرائيل. لقد دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً في الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر العام الماضي.

نحو ألف وأربعمئة شهيد، وأكثر من خمسة آلاف جريح، وعشرات آلاف الوحدات السكنية والمؤسسات والأراضي الزراعية، دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة، واستخدمت خلالها أسلحة محرمة دولياً.

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يعرفون من خلال التجربة الطويلة، أن الولايات المتحدة الأميركية ستقف هذه المرة، كما في كل المرات السابقة، لمنع أي قرار يصدر عن أي من المؤسسات الدولية في غير صالح حليفتها إسرائيل، إلا أنهم انتظروا بفارغ الصبر نتائج التقرير الذي قدمته لجنة التحقيق التي كلفها المجلس العالمي لحقوق الإنسان برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون.

لم يساور الفلسطينيين الشك في نزاهة غولدستون ولجنته، رغم أنه جنوب أفريقي ومن أصل يهودي، فهو قاض معروف وذو خبرة، ومدعٍ عام سابق في العديد من القضايا التي تتصل بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. المؤشرات الحسية منذ البداية كانت تعزز آمال الفلسطينيين، حيث اتخذت إسرائيل من لجنة التحقيق موقفاً عدائياً حتى قبل أن تصل إلى ميدان التحقيق، فوصفتها بالمنحازة، ومنعتها من الدخول عبرها إلى قطاع غزة، ثم جردت حملة دبلوماسية وإعلامية، للتشكيك في النتائج التي يمكن أن تخلص إليها اللجنة.

لم تفلح كل آلة إسرائيل في منع لجنة التحقيق من العمل، ولم تفلح حتى في النيل من مصداقية شخوصها، أو في الاستنتاجات التي وصلت إليها، فلقد جاءت نتائج عمل اللجنة مطابقة لما خرجت به اللجان الدولية التي سبقتها.

كان الأمين العام للأمم المتحدة قد كلف لجنة للتحقيق في انتهاكات محتملة بحق إحدى عشرة منشأة تابعة للأمم المتحدة، وتعرضت للقصف الإسرائيلي خلال الحرب، وبعد ذلك قامت منظمة العفو الدولية بإجراء تحقيق مماثل، واللجان الثلاث اتهمت إسرائيل وحماس بارتكاب جرائم حرب، رغم الفارق الكبير، ولذلك نظرت إسرائيل بخطورة بالغة للتقرير الذي قدمه غولدستون منتصف الشهر الماضي.

في السابق نجحت إسرائيل في إفشال كل لجان التحقيق التي تشكلت على خلفية مجازر كثيرة ارتكبتها بحق الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، ونجت من العقاب، وربما كانت ستنجح هذه المرة أيضاً، ولكن تقارير التحقيق ألحقت إساءة بالغة بإسرائيل على المستوى الدولي.

الصدمة الكبرى وغير المتوقعة، لم تأت من فيتو أميركي، ولا من حرب دبلوماسية وإعلامية شنتها إسرائيل على غولدستون وتقريره، وإنما أتت من كون الطرف الفلسطيني هو الذي بادر إلى طلب تأجيل مناقشة التقرير وإحالته إلى مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية، إلى شهر مارس من العام المقبل.

وبغض النظر عن التفسيرات والمبررات التي ساقها بعض المسؤولين الفلسطينيين دفاعاً عن قرار التأجيل، فلقد أشعل القرار ثورة غضب عارمة في كل الأوساط الفلسطينية، وامتدت إلى الصعيدين العربي والدولي.. كيف للفلسطيني أن يفك الحبل الذي يلتف حول رقبة إسرائيل، ويكون هو المسؤول عن إفلات المجرم من العقاب؟ تساؤل يجري على لسان كل فلسطيني تناهى إلى أسماعه ما جرى يوم الجمعة، الثاني من الشهر الجاري في جنيف.

ونظراً لفداحة الخطأ، تنصلت كل الأطراف من المسؤولية عما وصفه البعض من الفلسطينيين بالخطيئة، والبعض الآخر بالجريمة، أو الخيانة العظمى.

اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اتخذت قراراً بمواصلة النقاش في المجلس العالمي لحقوق الإنسان من أجل رفع التقرير إلى مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية، استغربت قرار التأجيل وتنصلت من المسؤولية عنه، وكذلك فعلت اللجنة المركزية لحركة فتح، وحكومة الدكتور سلام فياض التي استقال منها احتجاجاً وزير الاقتصاد، ولم يبق في الميدان إلا الرئيس محمود عباس.. وتنصلت أيضاً من المسؤولية جامعة الدول العربية والعديد من الدول العربية التي قالت إنها لم تكن تعلم بما يتم تحضيره، وبأنها وافقت على طلب المندوب الفلسطيني بالتأجيل.

ولما لم تنفع كل التبريرات والشروحات التي ساقتها الدوائر المحيطة بالرئيس عباس، والتي تحدثت عن أن فلسطين ليست عضواً في المجلس العالمي لحقوق الإنسان، وأن التأجيل جاء بموافقة عربية وإسلامية ودولية، ولما لم ينفع أيضاً قرار الرئيس عباس بتشكيل لجنة تحقيق لتبيان الحقائق، كان على رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير وعضو اللجنة المركزية لفتح الدكتور صائب عريقات، أن يعترف بمسؤولية الرئاسة.

على أن الأمر لن يتوقف على اعتراف عريقات، فلقد استمرت الحملة الإعلامية الساخطة، حتى بلغت مطالبة الدكتور عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وآخرين بتنحية الرئيس عباس، ومطالبة آخرين بعدم التوقيع على اتفاق مصالحة وطنية يرتب لها المصريون. أهم ما أعلنه الدكتور عريقات، هو أن المنظمة ستقوم بتصحيح الخطيئة والعمل على إحالة التقرير بسرعة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات، وقد طلبت ذلك فعلياً من المندوب الليبي العضو في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات لهذا الغرض.

هذا يعني أن المسؤول الفلسطيني عن قرار تأجيل عرض تقرير غولدستون، سيضع المنظمة والسلطة أمام خيارات وتحديات صعبة، سيترتب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمنها مجدداً. عرض التقرير على مجلس الأمن سيؤدي إلى مجابهة واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من الدول الصديقة الأخرى، وسيعرض السلطة إلى ضغوطات هائلة قد لا تقوى عليها، وعدم المبادرة إلى عرضه سيعرضها إلى غضب الشارع الفلسطيني، ويعمق الانقسام، والصراع والأحقاد في صفوف الفلسطينيين.

هكذا فإن تصحيح الخطأ قد يتطلب ثمناً أكبر بكثير من ثمن وقوع الخطأ ذاته، وهكذا يؤدي الانقسام والضعف الفلسطيني إلى الوقوع في المزيد من الأزمات ومواجهة المزيد من المخاطر على الشعب والأرض والقضية الفلسطينية. كان المفترض في السفير الفلسطيني في جنيف أن يرفض أي محاولة لتأجيل التقرير، أو التقليل من أهميته وآثاره، حتى ولو وقفت كل الدنيا في الاتجاه الآخر، فإسرائيل لا تعرف إلا لغة القوة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com