لا شك أن الأسابيع الماضية حملت تطورات هامة في مسار تسوية أزمة الملف النووي الإيراني، ويمكن أن نلمس بوضوح أن محادثات السداسي التي جرت في جنيف والمحادثات الروسية الفرنسية التي جرت في نفس اليوم، لم تعبر عن لهجة القوة والصدام، بقدر ما عكست حرصا لدى كافة الأطراف على التوصل إلى تسوية لا تصادر حق إيران في استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وتضمن أمن واستقرار الدول المجاورة والمجتمع الدولي، وذلك عبر تقديم حكومة طهران لضمانات تؤكد أن برنامجها لا يحمل أية ملامح عسكرية.
وقد اعتبر رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الفيدرالية الروسي ميخائيل مارغيلوف، أن المشاركين في لقاء دول «السداسية» في جنيف حول إيران، فضلوا الحوار البناء أثناء مناقشة «الملف النووي الإيراني على لغة التهديدات»، مشيرا إلى أن «مسألة العقوبات الاقتصادية ضد إيران لم تطرح بشكل مباشر في هذا اللقاء». ولم يستبعد المسؤول الروسي اللجوء إلى عقوبات مشددة ضد إيران، في حال عدم تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وعلى صعيد آخر تميز الموقف الإيراني بمرونة واضحة، فهو لم يقتصر على القبول بدخول مجموعات المفتشين الدوليين التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لمراقبة مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران والتفتيش في منشآت المركز الجديد الذي تم تشييده، وإنما أعلنت إيران عن موافقتها على تخصيب اليورانيوم اللازم لمفاعلاتها على أراضي طرف ثالث. وقد عكست نتائج مباحثات البرادعي في طهران مع الرئيس الإيراني نجاد وبقية المسؤولين الإيرانيين حرص حكومة طهران على عدم التصادم مع إرادة المجتمع الدولي، واستعدادها للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتسهيل مهماتها في إيران.
ويبدو أن التغيرات التي طرأت على الموقف الإيراني ليست مجرد مهلة لكسب الوقت، وإنما نتيجة لواقع محدد أجبر حكومة طهران على الرضوخ لإرادة المجتمع الدولي مؤقتا، لعدة أسباب:
ــ تواجه مراكز الأبحاث النووية الإيرانية صعوبات جدية في إنجاز أعمال تخصيب اليورانيوم، ليس فقط بسبب نقص المعدات والأجهزة، وإنما نتيجة مشاكل تقنية لم يتمكن الفريق العامل من تجاوزها.
ــ مع تولي أوباما منصب الرئاسة ظهرت في الأفق أمارات تفاهم إيراني ـ أميركي. وعلى الرغم من الصدام المتكرر بين واشنطن وطهران، إلا أن التفاهم بين البلدين هو السبيل الوحيد الذي يمكن إيران من تحقيق مطامحها، باعتبار أن تشابك المصالح في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط، لا يمكن أن تتم تسويته عبر صدام مسلح. كما أن إدارة أوباما أبدت قدرا من المرونة في التعاطي مع حكومة طهران، قد يفسح المجال لتفاهم حول المصالح الإيرانية في هذه المناطق.
ــ الرئيس الروسي ميدفيدف حدد موقفا واضحا إزاء تطورات الملف الإيراني في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يستبعد تطبيق عقوبات مشددة إذا لم تتجاوب القيادة الإيرانية مع مطالب المجتمع الدولي.
ــ احتياج طهران لاستيراد اليورانيوم، باعتبار أنها لا تنتج ما يكفي في حال تشغيل محطة بوشهر، وهو ما يتطلب علاقات دولية قائمة على الثقة، حتى تتمكن إيران من عقد اتفاقات للحصول على احتياجاتها من اليورانيوم.
ويبدو أن هذه الأسباب دفعت حكومة طهران لإعادة النظر في تشددها وتمسكها بمواقفها التي تجاهلت مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتراجعت عنها، بل وقبلت دخول مفتشي الوكالة للتفتيش منشآتها النووية، حتى لا تعرض برنامجها النووي لخطر التجميد. ويعتقد البعض أن المؤشر على ذلك كان تصريحات بعض المسؤولين الروس حول وجود أسباب تقنية ـ فنية ستؤدى لتأخير تشغيل محطة بوشهر، ما اعتبره هؤلاء استجابة لرغبة الغرب في الضغط على إيران.
إلا أن الأمر ليس مجرد استجابة، لأن روسيا لا ترغب بالتأكيد في وجود صواريخ استراتيجية على حدودها. لذا لا يمكن الحديث عن وجود خلاف استراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة تجاه الملف النووي الإيراني، وإنما يوجد خلاف في أساليب تسوية هذا الملف، ويبدو أن مواقف إدارة أوباما تقترب من الموقف الروسي في كيفية التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني.
كاتب روسي