تعرفت قبل مدة قصيرة على الكاتب الصومالي نور الدين فارح، من خلال روايته (خرائط) التي وُزعت في الصالون الأدبي للشيخة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، حفظها الله، ولا أخفي أنني أعجبتُ بالرواية بشدة في البداية، ثم خفت هذا الإعجاب قليلا وأنا لم أنهِ ربعها الأول بعد، ثم شعرتُ بها جذبتني مرة أخرى لعوالمها بمجرد أن دخلت في ربعها الثاني.

وهكذا، وجدتُ نفسي أتراوح فيها بين شد وجذب، أشعر أن هناك شيئا ما يمنعني من الاستسلام التام لها، لم أتبينه حتى الآن، لكنني أدرك تماما أنها ليست من نوع الروايات التي تستحوذ علي دفعة واحدة، إلا أنها كانت فرصة ممتازة بالنسبة لي كي أتعرف على الكاتب.

هذا الصومالي الستيني الذي يعيش في كيب تاون في جنوب أفريقيا، حياة منفى اضطر إليها هربًا من واقع لم يستطع أن يغيره بيده، لكنه يسعى لذلك بقلمه وهو على قناعة تامة بأنه يترك السلاح الأضعف ليمسك بالسلاح الأقوى.

حين بحثت عن «نور الدين فارح» قادتني محركات البحث إلى بعض الحوارات معه المنشورة على الشبكة العنكبوتية، قرأتها فشعرتُ أنني أمام شخص يستحق أن أقف إجلالا له، ليس لمواقفه السياسية التي توصف بأنها محايدة، لأنني أبعد ما أكون عن أجواء السياسة.

وخصوصًا في القرن الأفريقي، إنما من جهة علاقته باللغة، لقد شعر أنه بحاجة للكتابة، لأنها كانت وسيلته للتعبير عن رأيه في مجتمع لا يعترف إلا بحوار القوة، فالصوماليون ـ من وجهة نظره ـ يخشون الحديث فيما بينهم بطريقة مباشرة وصريحة ومنفتحة، ويسعون ـ بدلا من ذلك ـ إلى تدمير أنفسهم بقوة السلاح الذي لا يتردد الأخ في أن يشهره في وجه أخيه إن خالفه الرأي، أو يسعون إلى استخدام أقدامهم للهرب في أفضل الأحوال.

إنه يدعو لاستخدام العقل بدلا من هذه الحلول غير المجدية، ذات النهايات المدمرة أو المسدودة.

لقد استخدم «فارح» الأدب سلاحًا نظيفًا، ينقل به للعالم أجمع رأيه فيما يحدث على أرض وطنه، وموقفه منه.. موقفه كإنسان ومثقف قبل أن يكون موقفه كمواطن صومالي، حتى إن حُكم عليه بالمنفى.

لفت انتباهي في أحد الحوارات التي أجريت معه كلامه على اللغة، وعلاقته ـ وهو الصومالي العربي ـ الملتبسة باللغة، فهو يتحدث بالصومالية، واكتشف حين أراد أن يكتب بها أنه لا توجد أبجدية ثابتة وموحدة للهجته الصومالية.

لذلك كان لزامًا عليه أن يجد اللغة التي تحمل فكره وعاطفته وإنسانيته ومواقفه التي تمثل كل ذلك، ليجعلها جسرًا بينه وبين العالم الذي يعرف ما يجري في الصومال من وجهات نظر خارجية، أو داخلية متضاربة، لكنه لا يعرف على وجه التحديد وجهة نظر المواطن العادي أو المثقف، وهذا ما حمل «فارح» ثقله على عاتقه، متوسلا بالإنجليزية التي كانت أيسر الخيارات المتاحة، وربما أفضلها.

الذي يجدر ذكره هو أن «فارح» نشأ في منطقة إقليم أوغادين الذي كان ولا يزال تحت السيطرة الأثيوبية، أي أن اللغة الأمهرية كانت خيارًا متاحًا له، فهي اللغة الثانية التي تعلمها بعد اللغة العربية، لكنها كانت ستحمّله موقفًا،..

كانت ستعبر عن هذا الموقف ضمنًا، حتى إن لم يصرح به، أو بعبارة أدق، حتى إن كان يقول عكس ذلك بتلك اللغة،.. ستثبت اللغة حينها أنها قادرة على حمل المعنى والمعنى المضاد، والمشكلة في هذه الحالة أن المعنى المضاد سيكون أشد وقعًا وتأثيرًا، لأنه جاء تلميحًا وليس تصريحًا.

حين يفتقد الإنسان اللغة لا بد أن يوجد له لغة كي تمنحه إحساسًا بالكينونة، بالهوية، وبالانتماء، وهذا ما فعله فارح حين لجأ إلى اللغة الإنجليزية كي يكتب بها، وللأسف أنه أراد أن يعبر عن واقع المجتمع الصومالي بقلمه وأدبه، لأنه رأى كيف أن ديستويفسكي نجح في نقل واقع المجتمع الروسي من خلال أدبه، وكذلك فيكتور هيجو الذي نقل واقع المجتمع الفرنسي أيضًا بأدبه وقلمه.

إلا أن الفارق بينهما من جهة، وبين فارح من جهة أخرى، أنهما قدما أدبهما الذي يعكس مجتمعهما بلغتهما، أما هو فلجأ إلى لغة غريبة عنه وعن قضيته، ونقل أدبه ـ الذي يمثل واقع مجتمعه وقضايا بلده ـ من خلالها، وهذه مفارقة ما بعدها مفارقة، إلا أننا يمكن أن نجد في ذلك وجهًا إيجابيًا، وهو أنه سهّل وصول قضية الصومال للعالم أجمع، الذي يقرأ بالإنجليزية، على نحو أكثر صدقًا من عشرات النشرات الإخبارية، والتقارير والتحقيقات وغيرها.

أما العرب، الذين تكاد نسبة القرّاء فيهم لا تُذكر فستصلهم الترجمات العربية لروايات فارح تباعًا، دون أن يشعر كثير منهم أنها جاءت متأخرة.

أود أن أنهي سطوري هذه بما كان نور الدين فارح قد ابتدأ به روايته (خرائط)، إذ جاء في المقدمة قوله إنه يريد أن يحيي بلاده بالكتابة عنها، وقد كان السؤال الذي سألته لمجموعة الصالون الأدبي في نهاية عرضنا ومناقشتنا لهذه الرواية هو: هل تعتقدون أنه نجح في تحقيق هذا الهدف؟ هل أحيا بلاده بالكتابة عنها؟ علمًا بأن هذه الكتابة استغرقت عشرين سنة من عمره تقريبًا..

وقد كانت الإجابة بالإجماع من قِبَل جميع الحاضرات إيجابية، لقد استطاع الأدب أن يقدم للصومال أكثر مما قُدِّم على صعد أخرى، ليثبت فعلا لا قولا فقط أنه أقوى سلاح من الممكن أن يُلجأ إليه في أكثر المهمات صعوبة، كمهمة إحياء بلاد قضى عليها أبناؤها بأسلحتهم أكثر مما قضى عليها الغرباء.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com