بعد جمود استمر عدة شهور في الملف النووي الإيراني، شهد الأول من أكتوبر الجاري أول بادرة إيجابية إثر اجتماع عقدته الدول الستة (أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة إضافة إلى ألمانيا) مع إيران في جنيف.

وقد جرى هذا اللقاء في ظل بعض المتغيرات المهمة في الوضع السياسي العالمي، من جهة، وفي الوضع الداخلي الإيراني، من جهة أخرى. هذه المتغيرات تنحصر في:

1 ـ حضور الولايات المتحدة، لأول مرة، كطرف فعال في المحادثات وليس كطرف مراقب كما كان الحال ابان الفترة الأخيرة من حقبة الرئيس الأميركي السابق.

2 ـ تصدع الجبهة الداخلية في إيران بشكل خطير إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في يونيو المنصرم والطعن في شرعية فوز الرئيس أحمدي نجاد.

3 ـ إعلان إيران على لسان رئيسها في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن لديها موقعا نوويا آخر قرب مدينة قم لتخصيب اليورانيوم. ويأتي هذا الإعلان بعد أن تيقنت طهران من أن المخابرات الغربية قد علمت بوجود هذا الموقع وتكتمت عليه في محاولة لاختبار حقيقة النوايا الإيرانية.

4 ـ تغير واضح في الموقف الروسي الذي أصبح أكثر ميلاً لتضييق الخناق على طهران والموافقة على رفع سقف العقوبات بحقها.

يمكن وصف هذه البادرة الإيجابية بأنها إنفراج ينظر فيه كل طرف من أطراف الصراع إلى الطرف الآخر بحذر وريبة، فالمحادثات التي استغرقت ثماني ساعات في جنيف لا تمحي ما تركته ضغائن ثلاثة عقود من السنين.

فقد وافقت إيران على نقل ما لديها من يورانيوم منخفض التخصيب (ما يقرب من 3 %) إلى دولة أخرى، روسيا أو فرنسا، لإكمال تخصيبه (إلى ما يقرب من 90 %)، وإعادته لغرض استخدامه في مفاعل نووي مخصص للأبحاث تمتلكه طهران لإنتاج النظائر المشعة التي تستخدم في المجال الطبي لأغراض التشخيص والعلاج.

ومن الجدير بالذكر، في هذا الصدد، أن روسيا قد سبق لها أن قدمت عرضاً مشابهاً لم يلق استجابة من طهران في حينه.

الأطراف الأكثر تأثيراً في هذه المحادثات، والأكثر قلقاً لتوقفها، هي إيران والولايات المتحدة، أما الدول الخمس الباقية فهي مشغولة بالملف النووي الإيراني الشائك بدوافع أقل أهمية لأن أدوارها في رسم ملامح الشرق الأوسط والتأثير في أحداثه لا يضاهي ما للولايات المتحدة وما لإيران.

والحقيقة أن ما تم التوصل إليه في جنيف يعكس مقدار حاجة كل من واشنطن وطهران إلى تلطيف الأجواء بينهما، فالتقاطع في مصالحهما لا يقتصر على الملف النووي الإيراني قيد البحث فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى قضايا أخرى بعضها يهم الولايات المتحدة بشكل مباشر في كل من العراق وأفغانستان.

وبعضها الآخر يهمها بشكل غير مباشر، منها ما يتعلق بأمن إسرائيل والوضع الداخلي في لبنان وفي فلسطين وعلاقات طهران ببعض دول القارة اللاتينية التي لا تنظر الولايات المتحدة إليها نظرة ارتياح.

معايير الفوز أو الانكسار، في أية مواجهة، تعتمد إلى حد كبير على سعة الزاوية التي ترصد منها الأحداث: أسبابها ونتائجها وتداعياتها.

طهران ترى أن فوزها يكمن في أن الدول الست لم تعد تشترط تعليق برنامجها لتخصيب اليورانيوم، والدول الكبرى ترى أنها قد نجحت من جانبها في ضمان تعطيل المسعى الإيراني إلى اكتساب الخبرة التكنولوجية في مجال استكمال الدورة الكاملة للوقود النووي، طالما أن الجزء الأكثر أهمية، وهو التخصيب إلى 90 %، المناسب للاستخدام العسكري، سيكون تحت سيطرتها.

معظم الحكومات في الدول النامية هاجسها البقاء في الحكم، وفي هذا السياق ترسم وتمارس سياساتها الخارجية والداخلية، فالانفراج المحدود في الملف النووي الإيراني يوفر لحكومة أحمدي نجاد فرصة الإفلات من عقوبات دولية قاسية كانت ستتجرعها وهي في وضع أصيبت جبهتها الداخلية بشرخ كبير، ولم تعد قادرة على المواجهة في جبهتين، وها هي قد اختارت الجبهة الخارجية للتوقف فيها عن المواجهة.

إلا أن ذلك يحتاج إلى تسويق إعلامي في الداخل، وهكذا طلعت الصحف الإيرانية لتعلن انتصار إيران في جنيف معزية أسباب ذلك إلى براعة المفاوض الإيراني وصلابة حكومة نجاد التي أوصلت الدول العظمى إلى القناعة التامة بعدم جدوى رفع سقف العقوبات على إيران، من جهة.

وعدم القدرة على القيام بعمل عسكري ضدها، من جهة أخرى. ولم تخف بعض هذه الصحف الإشارة إلى أن المحادثات كانت ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، ورجحت أن التوصل إلى هذا الاتفاق قد تم في نيويورك، وليس في جنيف، وهذا في الحقيقة ما أيدته مصادر أخرى.

فما الذي تم هناك ؟ وما الذي أجبر أو أغرى إيران على تغيير موقفها ؟، وما هو ما لم يعلن مما جرى الاتفاق عليه ؟. فالمعروف أن طهران في كافة ردودها على عروض الدول الست، في السنوات المنصرمة، تشدد على ضرورة التطرق إلى ملفها النووي ضمن حزمة من قضايا أخرى جوهرية في منطقة الشرق الأوسط.

قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن التداعيات التي يمكن أن تترتب على هذا الاتفاق، والتي قد تقلق، إلى حد كبير، دولا عديدة في المنطقة. فالمشروع الأميركي في الشرق الأوسط، الذي إاتدأ باحتلال أفغانستان ثم احتلال العراق، يواجه صعوبات كبيرة، فقائد القوات الأميركية في العراق يشكك في قدرة الولايات المتحدة على إعلان النصر.

كما أن القائد الأميركي في أفغانستان لا يتحدث عن نصر يحققه حلف الأطلسي بل عن الوسائل لاتقاء الهزيمة، وهو ما ورد في تصريحات القائدين مؤخراً. فليس بخاف على الولايات المتحدة حجم الدور الإيراني في الساحتين العراقية والأفغانية، وليس بخاف على العديد من زعماء المنطقة رغبة الرئيس أوباما في التقليص من مسؤوليات الولايات المتحدة خارج الأراضي الأميركية.

ولعل ما يثير الاهتمام أن يأتي هذا الانفراج في الملف النووي الإيراني متزامناً مع قرار الرئيس الأميركي بالامتناع عن مطالبة إسرائيل بالكشف عن برنامجها النووي والاستمرار في السياسة التي اتبعها أسلافه في هذا الشأن والتي استمرت طيلة أربعين عاماً منذ وقعت رئيسة الوزارة الاسرائيلية غولدا مائير اتفاقاً حول ذلك مع الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون عام 1969.

والحقيقة أن الموقف المتباين في الحالتين يلقي ظلالاً من الشك على مصداقية دعوة الرئيس أوباما، في خطابه الأخير أمام مجلس الأمن الدولي، إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae