كل ما تم جمعه وتدوينه وأرشفته من تراثنا وثقافتنا الشفاهية بدأ وانتهى بجهود فردية وحماسة أناس وجدوا في تراثهم الشيء المهم الذي يستحق العناء، وآخرين من الذين اعتصر قلوبهم الفقد وشعروا بضرورة التحرك لانقاذ ما يجب انقاذه، بعد سنوات طويلة عانى فيها تراثنا وعانت فيها آثارنا من الإهمال.. أيضا لا يمكن أن نغفل في هذا المقام جهود بعض المؤسسات الأهلية، وبعض الدوائر المحلية التي وجدت أن من واجبها انتشال أشياء ثمينة من الذاكرة التي تتعرض للتلاشي والفقد، ومع مرور الزمن تم رصد وتدوين أشياء وليس كل الأشياء الثمينة تلك، حيث لا يزال موروثنا الفني والأدبي والشفاهي يتبخر ويرحل مع رحيل الرعيل الأول ممن عاشوا ذلك التراث حياة وتنفسوه كالهواء.

توجد في المكتبات اليوم كتب قليلة ونادرة تلك التي تستطيع ان تقدم لك تفاصيل وملامح من حياة الأجداد وآبائهم الأولين، لكن لا توجد مراجع مفصلة وفي جميع المجالات، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، الحوادث والأحداث، الناس وسيرهم وكثير من كنوز الحياة في البر والبحر والجبل.

لهذا تأت بادرة برنامج دبلوم التراث التخصصي الذي أطلقته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بارقة أمل تضاف إلى الجهود السابقة، وربما تشكل بادرة نوعية باعتمادها على خريجين مدججين بالمعرفة والعلم، هذه البادرة أيضاً تشي بأن هاجس القبض على كنوز الثقافة والهوية المحلية ما زال يتصدر الاهتمامات، وعندما تسعى الوزارة وبهذا المقدار من الاهتمام، فان ذلك يبشر بأننا نعمل في مواجهة الوقت والنسيان ورحيل الرواة، وإعادة إحياء للأصالة ولنتاج إنسان المنطقة وتاريخه وربطه بالأجيال الجديدة التي ترزح هي الأخرى حتى وطأة التغريب والاستلاب للثقافات المنافسة.

ومثلما أعلنت الوزارة ان هدف هذا المشروع الذي تتعاون فيه جامعة الإمارات وجامعة زايد سوف يعمل على تأهيل متخصصين من شباب الوطن وشاباته في جمع وحفظ التراث وتأسيس طابور من الخبراء وهو ما نحتاجه ويحتاجه تراثنا وموروثا، خصوصا حينما يعزز البحث والجمع والتحقيق بمبادئ ونظريات علمية حديثة.. الدورة الأولى وحسب ما أعلنت عنه الوزارة فإنها ستضم 30 دارسا من المواطنين وستسمر على مدى أربعة أشهر يحصل فيها المتخرج بعد ذلك على شهادة الدبلوم..

ونقول إن هذا جيد في المرحلة الأولى، لكن لا يجب ان يتوقف طموحنا عند هذا الحد، لهذا نأمل من الوزارة أيضا ان تذهب بهذا العمل الوطني بعيدا في النجاح، فهذه الكوكبة التي ستتخرج بعد أربعة أشهر يمكن تدعيم دراستها وما تلقته من علم بالعمل الميداني، ومن بعد ذلك يصار إلى ابتعاث المميزين منهم في ورش ودورات خارج الدولة لاكتساب المزيد من العلم.. وإذا حاولنا قراءة هذا المشروع قراءة مستقبلية، اذا ما سار بهذا الحرص وهذا الاهتمام، فيمكننا ان نصل إلى خبراء مواطنين يتولون صون التراث..

خطوة رائعة لوزارة الثقافة، وللمنتسبين كل التوفيق وهم يحرثون في كنوز الأصالة ومنجزات الوطن.

mhalyan@albayan.ae