رغم التحسن الواضح في العلاقات الروسية الأميركية منذ وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما للحكم، ورغم مبادرات واشنطن للتقارب والتودد لموسكو، وآخرها مبادرة أوباما بالتخلي عن نشر الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ في شرق أوروبا، إلا أن اللغة المتبادلة بين العسكريين من البلدين تعكس شيئا آخر تماما، وكأنه كما يقال إن العقيدة العسكرية لدى كلتا البلدين تأسست على عدائهما لبعض ومن الصعب التخلي عن هذه العقيدة بسهولة أو بسرعة الآن، فكل من البلدين يعد جيشه ويدعمه بالسلاح القوي مستهدفا الآخر باعتبارهما أقويقوتين عسكريتين على الساحة.
ومنذ أكثر من عام مضى وروسيا تستعرض قوتها العسكرية بشكل واضح ومستفز للكثيرين، ولا تستعرضها على أراضيها أو في المناطق المجاورة لها فقط، بل تذهب بعيدا في أقصى الأرض، وبالتحديد في مناطق نفوذ وهيمنة خصمها التقليدي الولايات المتحدة.
وقد سبق أن خرجت أكبر سفن الأسطول الحربي الروسي إلى المياه العالمية واقتربت بشدة من المياه الإقليمية الأميركية وعبرت بعضها قناة بنما ورست على شواطئ الكاريبي في شكل غاية في الاستفزاز للأميركيين الذين لا يستطيعون أن يفعلوا مثل ذلك الآن مع روسيا ولا يستطيعون في نفس الوقت التعرض لسفن الأسطول الروسي باعتبار أنها في مهمات تدريبية سلمية.
في أواخر سبتمبر الماضي، وبعد أقل من عشرة أيام من قرار الرئيس أوباما بالتخلي عن الدرع الصاروخية إرضاء لروسيا، نفذت طائرتان قاذفتان روسيتان من طراز «تو-95» التي يطلق عليها الناتو تسمية الدببة تحليقا جويا في سماء المحيط الهادئ فوق المياه الدولية المتاخمة للمياه الإقليمية الأميركية.و انطلقت مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف ؟ 22» من قاعدة أميركية ورافقتا القاذفتين الروسيتين في تحليقهما حتى ابتعدتا.
وقد حلقت القاذفتان الروسيتان لمدة 15 ساعة، وتدربتا على مهمة التزود بالوقود في الجو بواسطة الطائرة ـ الصهريج «ايل-78»، وكان هذا بهدف استعراض الإمكانيات الروسية أمام الأميركيين.
ويذكر أن سلاح الجو الروسي يجري طلعات في أجواء المحيط المتجمد الشمالي والمحيطين الأطلسي والهادئ والبحر الأسود، وتعد هذه ثاني طلعة للطائرات العملاقة الروسية في شهر سبتمبر فقط، فقد حلقت في الأسبوع الأول من الشهر طائرتان أخريان من نفس طراز «الدببة» التي صممت لإطلاق صواريخ مجهزة برؤوس نووية، في السماء فوق المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الهادئ.
وانطلقت طائرتان مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف-15» من قاعدة الميندورف بولاية ألاسكا نحو «الدُبّتين الضيفتين» غير المرغوب فيهما لترافقاهما. ولم يضايق «المرافقون» الطيارين الروس، فواصلوا رحلتهما، وعادوا سالمين إلى قاعدتهما. وكان ظهور «الدببة» الروسية في السماء فوق المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ والمحيط المتجمد الشمالي أمرا مألوفا في ثمانينات القرن الماضي. ثم غابت عن هذه المناطق لمدة 15 عاما حتى عام 2007 عندما استأنفت طلعاتها في السماء بالقرب من بريطانيا والنرويج وغرينلاند وكندا والولايات المتحدة الأميركية. وتثير هذه الطلعات قلق وضيق البنتاجون الأميركي وحلف شمال الأطلسي .
وتؤكد موسكو دائما أن طائرات سلاح الجو الروسي تنفذ تحليقاتها بالتزام صارم بقواعد القانون الدولي الخاصة باستخدام المجال الجوي فوق المياه المحايدة، ودون انتهاك لأجواء أية دولة. ورغم أن الطائرات الروسية تذهب إلى هذه المناطق في رحلات تدريبية ولا تحمل السلاح النووي إلا أنها لا تقابل بالاستقبال الحافل بل تجد أمامها من يحاول مشاكستها وقطع الطريق عليها. وهكذا فقد خدش ذيل طائرة أحد «المشاكسين» الأميركان جناح إحدى الطائرات الروسية، فعادت سالمة إلى قاعدتها بأعجوبة.
في كل الأحوال فإن الطيارين الروس يستفيدون من هذه الرحلات التي تمثل فرصة مهمة لهم لتلقي التدريبات الضرورية واكتساب المهارات المطلوبة، بينما ترسل هذه الطلعات والاستعراضات الروسية رسالة واضحة لواشنطن والغرب، وربما للعالم كله تقول فيها «ها نحن قد عدنا.. فأفسحوا لنا المكان المناسب».
كاتب روسي