في أعقاب انتهاء محادثات جنيف حول الملف النووي الإيراني أعرب الرئيس الأميركي باراك اوباما عن تفاؤل حذر إزاء نتائج المحادثات التي جمعت إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا والتي تناولت الملف النووي الإيراني ووصف نتائجها بأنها «بداية بناءة» لكن على طهران أن تقرن وعودها بالتعاون بالأفعال.

وأضاف أنه على إيران أن تسمح للمفتشين الدوليين بالدخول إلى المنشأة النووية الإيرانية الجديدة قرب قم خلال أسبوعين للقيام بمهامهم من دون قيود. ومن جانبها وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون المباحثات بأنها «بناءة»، لكنها عبرت عن رغبتها في أن تتخذ طهران خطوات ملموسة.وأضافت «هناك عدد من القضايا التي أثيرت ووضعت على الطاولة، والآن يجب أن ننتظر لنرى بأي سرعة ستستجيب إيران وإذا ما كانت ستستجيب».

أما خافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فأكد أن إيران تعهدت بفتح أبواب منشآتها النووية بالقرب من قم التي كشفت عنها مؤخرا أمام مفتشي الأمم المتحدة، مضيفا أن ذلك ربما يتم خلال الأسابيع القليلة القادمة.

وقال إن طهران والدول الست الكبرى ـ الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا ـ ستعقد جولة جديدة من المحادثات حول برنامج إيران النووي وقضايا أخرى في أكتوبر الحالي.وهذه التصريحات تؤكد أن التفاؤل ساد في أعقاب أول لقاء بين الأطراف المعنية لبحث الملف النووي الإيراني.

وقد زار إيران محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية السبت الماضي بعد يومين حيث ناقش موعد وشروط السماح لمفتشي الوكالة الدولية بالدخول إلى الموقع النووي الثاني الذي كشفت عنه إيران مؤخرا.

وهو ما يعني أن المضي قدما في التفاؤل حول البرنامج النووي الإيراني يتوقف على نتائج مباحثات البرادعي من جهة وعلى ما سوف يسفر عنه الاجتماع المقبل بين إيران والدول الست من جهة ثانية.

والملف النووي الإيراني ليس موضعا للتجاذبات بين قوى ودول إقليمية ودولية مثل الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي فقط، أو بين إسرائيل وبعض الدول فقط، وإنما هي موضع للتجاذبات الداخلية في بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية.

حيث أنها موضع للخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وداخل كل حزب هناك اختلافات بين التيارات المختلفة، الأمر الذي يعني أن هذا الملف سوف يكون موضعا للمزايدات بما يؤدي في النهاية إلى تركه مفتوحا من دون حسم، لأن حسمه في أي اتجاه يمكن أن يشعل خلافات داخلية تؤثر على ملفات أخرى بعضها داخلي والبعض الآخر اقليمى ودولي.

وقد تعامل صانع القرار الإيراني مع الملف مدركا هذا البعد، وهو الأمر الذي جعله يتشدد إزاء كافة المطالب الغربية، وجعله يبحث عن أي مقابل للتنازلات التي يمكن أن يقدمها للتيارات التي يرى أنها معتدلة وحتى يبدو أنها حصلت على مكاسب بعد مباحثات شاقة، خاصة وان هناك ضغوطا تمارس من قبل نخب أكاديمية وسياسية من اجل التشدد في التعامل مع الملف النووي الإيراني وهناك تيارات تطالب بالتعامل العسكري مع إيران.

وإذا كانت معظم الأصوات المطالبة بالتشدد في مواجهة إيران تضع في حسبانها مصالح ومطالب إسرائيل الخاصة بهذا الملف، فذلك يعني أن الملف لن يغلق بسبب الضغوط الإسرائيلية. وإسرائيل نفسها لن تهدأ في حال تملك إيران للتكنولوجيا النووية وليس للسلاح النووي، وإيران وان كانت يمكنها أن تؤجل حلم امتلاكها للسلاح النووي إلا أنها لن تتنازل عن تملك التكنولوجيا نفسها، وهو ما يعني أن الملف سيظل قائما حتى ولو أغلق بموجب اجتماعات إيران مع الدول الست بعد التوصل إلى تسوية بينهما.

والملاحظ أن إيران قبل دخولها في مفاوضات جنيف التي شهدت أول لقاء مباشر بين مسؤوليها والمسؤولين الأميركيين، بعثت برسالتين مهمتين واحدة داخلية والأخرى إقليمية، وذلك بإعلانها عن إطلاق صواريخ متوسطة المدى يمكن أن تطال إسرائيل وعن وجود مفاعلين نوويين سريين يمكنها تخصيب اليورانيوم، فبنفس الإعلان قالت لشعبها أنها تدخل المفاوضات من موضع قوة وأن ما سوف تقدمه من تنازلات يأتي بعد امتلاكها للخبرة والتكنولوجيا النوويين، وهو الأمر الذي يؤكد للشعب الإيراني أنها لم تتنازل أمام الغرب وأنها لم تدخل في التفاوض من موقف ضعيف.

أما الرسالة الثانية فهي لإسرائيل حيث تؤكد بها إيران أن تستطيع أن توجه لها ضربة عسكرية موجعة لإسرائيل وان ترد على محاولاتها لإجهاض الحلم النووي ، ذلك أن معظم التحليلات ترى انه في حال التوصل إلى تسوية بين إيران والدول الست، فان إسرائيل لن تكون في حل من توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وهذا الأمر إن كان صحيحا وهناك مؤشرات عديدة عليه، إلا انه يواجه بصعوبات معنوية كبيرة لأنها يمكن أن تؤدي إلى تراجع مكانة إسرائيل الدولية والتأثير على محاولاتها لإعادة الاعتبار لنفسها بعد ما انهارت مكانتها على خلفية أحداث غزة في بداية العام الحالي.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com