منذ زمن طويل واليمن سعيد وذلك بما وهبه الله من نعم خصه بها كبلد دون غيره من البلدان، فاليمن سعيد بموقعه الجغرافي المتميز والذي أسهب في تحديده ووصفه ياقوت الحموي في معجمه المنعوت بمعجم البلدان والهمداني والبكري وابن حوقل، واليمن سعيد بتنوع بيئاته الطبيعية وخصوبة أراضيه وعذوبة مياهه ولطافة جوه وحلاوة عسله، واليمن سعيد بعراقة تاريخه فأصل العرب من اليمن ومملكة حمير وسبأ وغيرها من الممالك الضاربة في التاريخ نشأت على أرض اليمن، ألا يستحق اليمن إذاً أن ينعت باليمن السعيد.

ولكن اليوم انقلبت المعادلة ولم يعد اليمن باليمن السعيد كما كان، فاليمن اليوم يعيش أوضاعاً اقتصادية واجتماعية متدهورة، كما يعيش جرحاً وطنياً تؤججه أطراف جنوبية داعية للانفصال عن الجسد اليمني الواحد، ويعيش جرحاً مذهبياً تؤججه أطراف تريد السيطرة لمذهبها وإعادة حلم ظل دائماً يراودها، فلا غرابة إذاٍ أن يحتل في مؤشر التنمية البشرية مرتبة 138 حسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2008، ويأتي في المرتبة قبل الأخيرة بين الدول العربية حيث لا يقل عنه سوى الصومال ذلك البلد المفكك.

وليس غريباً على اليمن أن يكون من ضمن الدول المصنفة على أنها دول غير مستقرة حسب تقرير الفورن بوليسي حيث يقع اليمن في المرتبة الثامنة عشرة من بين الدول الأكثر عرضة للفشل والانهيار. هذا التراجع اليمني كان في الواقع نتيجة عوامل كثيرة منها حالة عدم الاستقرار الأمني في ذلك البلد الذي يتمتع بخيرات وموقع جغرافي يجعله مهيئاً لتحسين حالته التنموية، فحالة عدم الاستقرار نتيجة بروز جهات تريد تقسيم البلد كالجنوبيين الراغبين في الانفصال ووجود الحوثيين الراغبين في إعادة نظام الإمامة في اليمن.

ووجود كذلك أفراد القاعدة الذين يريدون إبقاء اليمن ضعيفاً كي ينجحوا في خلق بؤرة وجود جديدة لهم بعد تراجع دورهم في أفغانستان والعراق والسعودية، ووجود قراصنة البحر الذين يهددون الملاحة عبر باب المندب، هذه الأخطار جميعها تجعل من اليمن ضعيفاً وغير قادر على مواجهة متطلبات التنمية. فاستقرار اليمن اليوم أصبح أولوية ضرورية تتطلب تسخير القدرات لمواجهة تلك المخاطر التي أثرت على مهمة التنمية حيث تراجعت أولوية هذه المهمة إلى ما بعد أولوية تحقيق الأمن والاستقرار والقضاء على تلك المخاطر.

يعتبر كذلك استقرار اليمن مطلباً مهماً على صعيد التكامل الخليجي ولكن في ظل الظروف الحالية التي يعاني منها اليمن يصبح اليمن طرفاً غير مقبولاً به في المنظومة الخليجية، بل على العكس تماماً أصبح طرفاً يحمل الكثير من التحديات بدلاً من أن يكون طرفاً يحمل بعض الفرص. فجزءاً من استقرار اليمن يقع على عاتق دول الخليج التي لا بد لها من ضرورة التدخل لإبعاد تلك المخاطر عن اليمن باعتباره ذات بعد جغرافي وديموجرافي متوغل في المنطقة الخليجية.

ولعل الذاكرة الخليجية ما زالت محتفظة بالدور الذي لعبه اليمن الجنوبي في فترة الستينيات والسبعينيات في نشر الفكر اليساري الذي تسلل من خلال اليمن الجنوبي إلى ظفار في عمان وانتشر في باقي الدول الخليجية مهدداً وجود الأنظمة السياسية في تلك الفترة. فليس غريباً القول بأن دخول التهديدات الجديدة إلى اليمن لاسيما تلك الآتية من الخارج إنها لا تستهدف اليمن وحده بل وتستهدف بخطورتها اليمن ودول الخليج العربية أيضاً. فالحوثيون أصحاب فكر إعادة إحياء الإمامة في اليمن، ونظام الإمامة كان موجودا في أجزاء من عمان أيضاً في السابق وبالتالي فإن الحوثيين يسعون إلى إحياء فكرة الإمامة ليس فقط في اليمن بل في دول الخليج العربية أيضاً.

كما أن وجود القاعدة في اليمن لا يستهدف اليمن وحده وإنما مجيء القاعدة إلى اليمن وإنشاء قاعدة لها هناك إنما يستهدف دول الخليج الأخرى، ولعل الحادثة الأخيرة التي كاد أن يفقد فيها مساعد وزير الداخلية السعودي حياته من جرائها أكبر دليل على أن هدف القاعدة في اليمن هو التوغل في دول الخليج المجاورة.

فاليمن غير السعيد هو مصدر قلق لدول الخليج التي يجب أن تجعل مسؤولية مساعدة اليمن نصب عينيها. ولعل أهم ما يمكن أن تفعله دول الخليج في الوقت الحاضر هو العمل الدبلوماسي النشط والجاد من أجل تحقيق الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه ونزع فتيل الانفصال الذي يدعو له بعض الجنوبيين. لقد كان لدول الخليج دور في السابق في تحقيق الوحدة اليمنية وبالتالي فإن المطلوب منها حالياً هو العمل على المحافظة على تلك الوحدة وبشكل نشط وجدي.

كما أن على دول الخليج نزع فتيل الفرقة المذهبية التي تشتعل حاليا داخل اليمن بين أصحاب المذهب السني والشيعي من خلال التوسط لإيقاف القتال الدائر في صعدة والتوصل إلى صيغة سلام تحافظ على وحدة اليمن وتمنع التدخلات الأجنبية الغير عربية في شأنه الداخلي. وعلى الدول الخليجية أن تبدأ بعد ذلك بمشروع مارشال جديد لإعادة بناء وتنمية اليمن بحيث يتمكن اليمن من تحقيق أدنى مستويات التنمية المطلوبة للوفاء بمتطلبات المواطن اليمني لاسيما في الجنوب وفي مناطق الحوثيين، ليصبح الجميع أكثر التصاقاً باليمن وبدول المنطقة.

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com