منظر إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل (ما بين 2006 و2009) وهو يقف أمام قضبان القضاء الإسرائيلي بملف دعوى ضخم يحتوي على عدد من التهم الموجهة لسيادة الرئيس، يعكس أولا ما وصل إليه المجتمع الإسرائيلي من الداخل بعد كفاح دام ستين سنة لتأسيس دولة ظنوا أنها تقوم على حق، وهم يعلمون أنها قامت واستمرت ودعمت على باطل.

ولو لم يكن المجتمع الإسرائيلي من رأسه حتى أخمص قدميه غارقا بجمع ما يمكن جمعه قبل غرق المركب لما تولاهم رئيس وزراء بهذه الطموحات؛ فكما تكونوا يولى عليكم. الفضيحة أن هذا الرجل يبلغ من العمر 64 سنة، وهو عمر يفترض أن يكون الإنسان قد تعلم فيه بعد مرور ستة عقود من تجارب الحياة الصعبة الجائز والممنوع، ووصل إلى مرحلة لم تعد الدنيا تمثل له غاية كبرى. فمن بين التهم بالفساد الموجهة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت التي عددتها صحيفة اللوموند الفرنسية نقرأ:

1- تزوير وغش

2- خيانة الأمانة

3- استخدام مستندات مزورة

4- إخفاء إيرادات غير شرعية

5- التهرب من دفع الضرائب

6- رشاوى،إلخ....

ويبدو أن فضائح الرئيس أولمرت قديمة. فهي تعود إلى السنوات التي كان يشغل فيها منصب محافظ القدس بين عامي 1993 و2003. فالكل سمع عن ملف تالانسكي، وهو رجل أعمال أميركي يهودي قام بتمويل أولمرت بملايين الشيكلات بشكل غير قانوني لدعم حملاته الانتخابية. ومن ثم انفرطت السبحة كما يقال، واستلذ أولمرت طعم المخالفات القانونية بغياب التهمة والدليل.

حيث لم يتوانى بعد ذلك عن استخدام بعض الطرق الملتوية للحصول على تذاكر سفر له ولعائلته الكريمة تخصم من حساب الحملات الانتخابية، في فضيحة أطلق عليها (روشين تورز). ثم استخدم صلاحياته كمحافظ (وكلنا يعلم أصل كلمة محافظ وحافظ ويحافظ على ممتلكات الدولة) ثم كوزير للصناعة والتجارة لتعيين بعض أقربائه في مناصب هامة في بعض المراكز الاستثمارية.

هذا ما ظهر وما خفي قد يكون أعظم. وبذلك يكون أولمرت قد حصد حصة الأسد في الاتهامات الموجهة إلى أي رئيس وزراء إسرائيلي قبله. ناهيك عن الوزراء والمسؤولين الذين سبقوه ومن سيأتي بعده، الذين وجهت إليهم اتهامات عدة ما بين الرشاوى والتزوير والاحتيال وفضائح التحرش الجنسي والعنف والمال وسرقة أبناء جنسهم أو سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين وبيعها من قبل مافيا وعصابات منظمة يرأسها حاخامات يهود من الدرجة الأولى اتخذت من الولايات المتحدة الأميركية حليفتهم مركزا لممارساتها البشعة.... مع فتح فروع في كل مكان من العالم..

هؤلاء هم من يحكم العالم اليوم، ولا أحد يملك الجرأة لا رئيس ولا صحافي ولا مسؤول في العالم غير يهودي في التحدث عن أي يهودي في أي مكان في العالم بأي صفة كانت دون أن يعرض نفسه للجملة الأخلاقية المشهورة والمملة: (أنت تعمل ضد السامية)!

ولا شك في أن هناك الكثير والكثير من القضايا والأخبار السرية التي لم تطفح بعد على السطح والتي ستفضح يوما ما ممارسات هذه الفئة من البشر التي حذرنا منها القرآن الكريم قبل 1400 سنة مضت.

قد يرد قائل، بأن مجتمعاتنا الإسلامية والعربية تضج بمثل هذه المخالفات اللا أخلاقية ولكن لا أحد يملك الجرأة لمحاسبة الجناة. وأنه فقط الضعيف من القوم من يدفع فاتورة قطعة الخبز الصغيرة التي سرقها من الخباز النائم قرب آلاف الأرغفة التي سترمى في صناديق القمامة. هذا صحيح، ولكننا لم ندع بعد كما يدع اليهود في كل مكان بنزاهتهم ونتهم كما يتهمون الآخرين بالغش والتزوير. ثم أن نسبة حالات مثل هذه الجرائم بالنسبة لعدد سكان العالمين العربي والإسلامي تجعلنا في أحسن حالاتنا.

وهذا لا يعفينا بالطبع من اتخاذ العبرة من أبطال مسرحيات الجرائم السياسية والمالية والأخلاقية في إسرائيل، جارتنا منذ 65 سنة. غير أنه من جهة أخرى، يحسب لهم - بحق - أنهم يعلنون ذلك على الملأ ويقاضون المفسد منهم، فسرقات إيهود أولمرت كلها لا تتعدى حفنة من الشيكلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع بعد أن أدى خدماته الجليلة لدولة إسرائيل.

ومحاسبة رئيس وزراء أيا كان، لخيانة الأمانة أو للرشوة أو للفساد لم نسمعها إلا في إسرائيل والدول الديمقراطية، حيث يحاسب مرتكبيها أيا كانت مرتبتهم ومناصبهم وممتلكاتهم أمام القضاء ويحكم عليهم كما يحكم على أي مواطن بسيط آخر. وهذا قد يبدو مستحيلا في بعض دول العالم الثالث. وبالطبع هذه النقطة بالذات تستحق الإعجاب والتقدير، وهي كفيلة بأن تقلل من الخسائر ولكن دون أن تلغيها بالطبع.

الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية قبل 3 سنوات لوجه إيهود أولمرت وهو يعتلي عرش رئيس وزراء إسرائيل وصوره بالأمس وهو يجر من قبل رجال الأمن إلى قاعات محكمة القدس الجنائية تجعلنا نفكر في أنفسنا ألف مرة قبل أن نتعدى الحدود القانونية التي فرض علينا احترامها والتقيد بها.

ولنا أمنية كما لغيرنا أن نصل في يوم من الأيام إلى محاسبة النفس أولا ومن ثم محاسبة مرتكبي مثل تلك الجرائم الجنائية كما يحاسب اليوم رئيس وزراء إسرائيل الأسبق أمام قضاء بلده وأمام كاميرات وسائل إعلام العالم.... دون خجل!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com