منذ أكثر من سنتين ونصف السنة لم يستمع المواطن الفلسطيني إلى خطاب ولغة تصالحية كالتي جاءت على لسان خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عقب لقاءاته بالوزير المصري عمر سليمان يوم الاثنين الماضي. مشعل تحدث عن مؤتمر ينعقد هذا الشهر أكتوبر، بدعوة من الفريق المصري المكلف بمتابعة موضوع الحوار الفلسطيني، وبهدف التوقيع على الوثيقة المعدلة التي يعكف المصريون على صياغتها.
الجولة المقبلة التي ستحضرها كافة الفصائل وعدد من المستقلين ستكون الأخيرة، في مسلسل الوساطة المصرية التي بدأت مسيرتها منذ شهر أغسطس العام الماضي، وهي جولة احتفالية، وليست جلسة للحوار الذي استنفذ صفحة الماضي، التي اتسمت بالانقسام والصراع، ما يذكرنا بالمناخ الذي ساد بين حركتي حماس وفتح عشية التوقيع على اتفاق مكة قبل نحو ثلاث سنوات، ولم يعمر ذلك الاتفاق أكثر من ستة أشهر حتى انفجر الصراع دموياً وعلى أشده.
حركة فتح على لسان عضو لجنتها المركزية جبريل الرجوب، ردت على الفور بالإعلان عن ترحيبها بما جاء على لسان مشعل، ما يعني أن الأجواء الفلسطينية مهيأة لتحقيق نقلة في علاقات الأطراف بعضها ببعض، لكن هذه النقلة لا تعني بالضرورة، تغييراً جذرياً أو حتى مهماً يبدل حال الانقسام الشامل الذي يضرب الحالة الفلسطينية بكليتها.
الفصائل كلها بما في ذلك حركة فتح، كانت قد سلمت ردودها وملاحظاتها على الورقة المصرية الأخيرة، قبل عطلة عيد الفطر، فيما انفردت حماس بتأخير تسليم ردودها إلى ما بعد العطلة، ومن خلال لقاءات مباشرة مع الفريق المصري المعني، وبهدف إقناع المصريين بإدخال بعض التعديلات التي تستجيب لبعض التحفظات الحمساوية، وهي فرصة لم تحصل عليها الأطراف الأخرى. هكذا تقدم حماس نفسها على أنها صاحبة الفيتو أو الكلمة العليا بين الفصائل، إذ أن حركة فتح قدمت رأيها بالموافقة على الورقة المصرية، رغم وجود ملاحظات عليها، ورغم أن صياغتها تمت بالمشاركة بين المصريين وحماس، كما قال عضو اللجنة المركزية لفتح عزام الأحمد في لقاء متلفز له مؤخراً على قناة «دنيا».
الفصائل الأخرى سجلت تحفظاتها، وهي تعلم أن المصريين لن ينظروا في تلك التحفظات، ذلك أن اهتمامهم ينصب على تقريب وجهتي النظر بين حماس وفتح، وعلى اعتبار أن الفصائل الأخرى، لا تستطيع، وهي أيضاً لن تفسد اتفاقاً بين الحركتين الكبيرتين المتصارعتين.
في تبرير هذا التبادل في المناخ العام الفلسطيني، يتحدث البعض عن الحاجة الملحة، لمجابهة التحديات الإسرائيلية التي تواجه مدينة القدس وسكانها الفلسطينيين، وربما يستفيض البعض في الحديث عن تحديات أخرى خطيرة وحقيقية، غير أن المواطن الفلسطيني لا يصدق مثل هذه التبريرات، ذلك أن التحديات الخطيرة كانت موجودة كل الوقت وكانت تستدعي أصلاً أن لا يقع الانقسام والصراع.
وأن لا يستمر كل هذا الوقت، وتواصل حركة حماس تشكيل اللوحة الفلسطينية أو على الأقل اللاعب الأساسي في تشكيل هذه اللوحة، فيدلي رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية في اليوم التالي لتصريحات مشعل، يدلي بحديث متلفز لقناة العربية، يتحدث فيه عن قبول الحركة بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، ويعلن تعاطي حركته الإيجابي مع المبادرة العربية للسلام، رغم بعض التحفظات عليها.
وفي تتابع يبدو وكأن حماس ترسم حلقاته، تسود احتفالات شعبية، لمناسبة تحرير عشرون امرأة فلسطينية من سجون الاحتلال، مقابل تقديم حماس لمعلومات عن الجندي الأسير جلعاد شاليط عبر الوسطاء المصريين والألمان.
الشارع الفلسطيني لا يوحي بكثير من الاكتراث إزاء مناخات التبشير التي انطلقت بقرب التوصل إلى اتفاق بين الفصائل، ذلك أن تقييم المواطن الفلسطيني لما يجري على الأرض من حوله، يجعله لا يصدق أن أي اتفاق يمكن أن يبدل واقع الحال المأساوي الذي تتحكم فيه عناصر ووقائع وشواهد الانقسام. على الجانب الآخر من المشهد الفلسطيني القائم والمتشكل وفي تداخل يرفضه الواقع، تتصاعد من قبل إسرائيل مؤشرات العدوان، إذ لا يكاد يمر يوم على سكان القطاع بدون شهداء وجرحى، وبدون أصوات الانفجارات المدوية في أماكن مختلفة.
أما في الضفة الغربية فإن التصعيد الإسرائيلي أكثر ملموسية في القدس التي تتعرض لإجراءات تهويدية مكثفة، وتتعرض معالمها الدينية للخطر جراء الحفريات حول وتحت المسجد الأقصى. في الضفة يقوم المستوطنون وجماعات اليمين المتطرف باعتداءات وغارات متكررة على القرى الفلسطينية، وفي الذكرى التاسعة لانتفاضة الأقصى قام هؤلاء باقتحام باحات المسجد الأقصى بحراسة الشرطة الإسرائيلية في مشهد يعيد إلى الأذهان الواقعة التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى.
حين قام شارون باقتحام المسجد بحراسة رسمية في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000. هذا التصعيد المستمر، يثير مخاوف كبيرة لدى سكان قطاع غزة من أن تكرر إسرائيل ما فعلته خلال الحرب السابقة على القطاع في السابع والعشرين من ديسمبر العام الماضي. يعزز هذه المخاوف ما تناقلته الأسبوع الماضي إحدى الصحف الجزائرية التي نقلت عن مصادر إسرائيلية معلومات تفيد بأن إسرائيل تحضر لعدوان واسع على القطاع نهاية هذا العام.
ويبدو أن حال الفلسطينيين محكوم لمعادلة صعبة ومكلفة، فإن اتفقوا على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة فإنهم سيثيرون غضب إسرائيل، وعدوانها وجرائمها، وإن استمر انقسامهم، كان عليهم أن يدفعوا غالياً ثمن هذا الانقسام. هل يعبر الاتفاق المرتقب بين الفصائل عن هذه المعادلة؟ ربما فالاتفاق لا يحقق الوحدة وينهي الانقسام، ولا يبقي هذا الانقسام تماماً كما هو عليه.
هكذا ينطبق على الاتفاق المثل الشعبي الذي لا يرى حكمه في موت الذئب أو إخفاء الغنم، ولكن إذا كان هذا المثل قد يعبر عن حالة اضطرارية لدى الفلسطينيين فإن إسرائيل لا تجد نفسها مضطرة لقبول هذه المعادلة، ولأسبابها وأهدافها الخاصة قد تسعى فعلاً لقتل الذئب أو إخفاء الغنم أو كلاهما.
