بين زوايا المصعد الأربع، تدور حياة أخرى، ويتشكّل عالم سرمدي الوجود، لا يكاد يبدأ حتى تتلاشى نهايته الحتمية. في ذلك الصندوق الكبير، يمتد الزمن أمام ناظرنا إلى مالا نهاية، وتبدو الأحلام التي كنا نحياها خارجة وكأنها إلحاحٌ كاذب، يطاردنا عندما لا نعيش اللحظة، وعندما نسافر إلى البعيد، وعندما نريد أن نهرب من الظلّ إلى الظلام.
عندما يدلف أحدنا إلى المصعد، وغالباً ما يحدث ذلك فجأة، فإنه يشعر بأن ذلك المكان الضيّق الذي يخاف منه أحياناً، قد تحوّل إلى عالم جديد، يريده أن يستمر بالحركة، ويظل يخشى طوال حركته تلك من توقّفه. إذا ما دخل أحد المصعد ونحن بداخله، فإننا نشعر للوهلة الأولى بأن ذلك الشخص ما هو إلا غريب وطئت قدمه أرض الوطن، وبعد ثوانٍ قليلة يستحيل ذلك الغريب إلى مواطن بوضع اليد، أو بالأحرى بوضع القدم.
بعض الذين يركبون المصعد معنا، يحملون معهم قهوة الصباح التي اختلسوها بسرعة من المقهى السريع الذي يقدّمها دافئة حتى يتمكن جميع المواطنين من شربها بسرعة، تماشياً مع نمط حياتهم الذي يرتفع وينزل، تماماً مثل المصعد. يحرص هؤلاء على حمل القهوة معهم لكي يؤنسوا من حولهم برائحتها الزكيّة، أو ليهيئوا عقولهم لاستقبال يومٍ طويل جداً، يبدأ عندما تنتهي رحلة المصعد، وينتهي عندما تبدأ رحلة العودة.
عندما يكتظّ المصعد بالركّاب، يتحول نوره الخافت إلى عتمة، وإذا أردت أن ترى من يقف حولك، فعليك أن تحيل ناظرك بعيداً عنهم، تماماً مثلما تفعل إذا جلست وحدك في غرفتك ليلاً وأردت أن ترى ما فيها، فكلّما نظرت بعيداً عن الشيء كلما برزت لك ملامحه أكثر فأكثر، وكلّما أمعنت النظر فيه، تبددت صورته في عتمة الظلام الذي نحبّه أحياناً، ونخشى منه أحياناً.
بعض الذين يرتادون المصاعد لديهم قدرة خارقة على الهروب ممن حولهم بتركيز أنظارهم على لوحة أرقام الطوابق، فيتسمّرون وكأنهم جزء لا يتجزأ من تلك البقعة النائية من العالم. حقاً، يبدو المصعد مع هؤلاء وكأنه صحراء قاحلة، لا ماء فيها ولا كلأ.. مع هؤلاء الناس، لا تكاد تسمع شيئاً غير صوت أنفاسهم المدوية الذي يشبه صوت الريح في الصحراء عندما تدوّي عالياً كلما اصطدمت بجبل، أو بأمل.
بعض الناس يعشقون المصاعد، فما أن يدخل أحد هؤلاء معك المصعد حتى تعلو وجهه ابتسامة مشرقة، تبدد العتمة السوداء، فيستبيح النور ظلمة المكان، ليحيله إلى مقهى يتجاذب الناس فيه أطراف الحديث. يستهل موطنه الجديد بتحيّتك، ثم ترى عينيه تدوران بحثاً عن سؤال أو تعليق يكسر حدة الصمت الذي يفرضه المصعد على كل من يستقلّه.
يخيّل إلي أحياناً أن المصعد يشبه القبر، فهو لا يفرّق بين غني أو فقير، ولا يعرف أحد ماذا حل بك إذا ما نزلته. بعض القبور تصعد بساكنيها إلى الأعلى، وبعضها تهبط بهم إلى الأسفل. إن الصفة المشتركة بين المصعد والقبر أنه في كليهما يسلّم الإنسان أمره إلى الله، ولا يعلم أشرٌّ أريد به فيهما أم خير.
في المصعد يتعلّم الإنسان فن الإصغاء، فالهمس البسيط يتحول إلى صراخٍ عالٍ وخصوصاً عندما يكون المصعد مكتظاً بالناس، وأولئك الذين يعملون داخل مصاعد الفنادق الفخمة، تجدهم يتقنون هذا الفن الذي يعتقد البعض بأنه فن من فنون المحبة.
في المصعد تنشأ قصص حب، وتتشابك علاقات إنسانية ولكن في الوجدان فقط، ودون أن تطفو على السطح. يشعر الإنسان إذا ما ارتاد المصعد مع شخص ما كل يوم ـ وخاصة إذا ما كان ذلك الشخص من الجنس الآخر ـ بأنه يعرفه منذ زمن. يعرف ماضيه ويستشرف طموحاته، يستشعر آلامه ويضمد جراحه دون أن يلمسها. يسافر مع فرحته عندما تقلع عن الأرض، ويحط على أرض أحلامه المتناثرة في السماء كتناثر النجوم في الفضاء.
يشعر الإنسان أحياناً بأنه يعشق ذلك الآخر الذي يجمعه به تاريخ طويل، أطول من الوقت الذي قضاه معه في المصعد بالتأكيد. غريبة تلك العلاقة التي تَسْحَقُها قرقعة أبواب المصعد عندما تفتح في الطابق المنشود. عندما نخرج من المصعد نشعر وكأننا قد نزلنا من رحم الحياة لنعيش مرة أخرى، وما أن ندخل مكاتبنا حتى ننسى ذلك الماضي الذي سيعود بالغد ليصبح ماضياً آخر.
إن المصعد هو تجسيد لجدلية الوجود الإنساني، وإجابة غير شافية على سببيّته. وهو تمثيل لطبيعة البشر الذين يَسْعَون منذ أيام فرعون للارتقاء إلى الأعلى، مع اختلاف الأسباب والوسائل. إن تزايد أعداد المصاعد هو مؤشر على رغبة وإصرار بني البشر على الاستمرار في الحياة وإبقائها في حراك دائم.
الزمن الذي نقضيه في المصعد هو زمن التحدي، وزمن الوجود الإنساني الممتد بين الحلم وبين تحقيقه، وهو أيضاً زمن الصبر. الصبر على توقّفه بين الطوابق أحياناً، والصبر على وحشته إن هو توقّف عن العمل لخلل مؤقت، وكما قال شكسبير: «ما أتعس من لا يملك شيئاً من الصبر».