رغم مرور ستة عقود على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وبكين، إلا أن العلاقات الروسية الصينية كانت دائما متقلبة وربما متوترة، وأحيانا شبه عدائية طيلة سنوات الاتحاد السوفييتي رغم وحدة الأيديولوجية الشيوعية في البلدين، وعلى ما يبدو أن التنافس على زعامة العالم الشيوعي كان السبب وراء التوتر الدائم في العلاقات.
وعقب إقامة شراكة التعاون الإستراتيجية بين الصين وروسيا عام 1996، طورت الدولتان العلاقات الثنائية بينهما، وأقامتا آلية للزيارات الدورية عالية المستوى، حيث يستطيع زعماء البلدين من خلالها الاتصال فيما بينهم بشكل فعال، وفهم بعضهما البعض من خلال الاجتماعات والمحادثات المتكررة.
وقد قام الرئيس الصيني هو جينتاو بزيارة روسيا في شهر يونيو (2009) حيث حضر هو ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف الاحتفال بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلديهما، وقال هو جينتاو في خطاب ألقاه، إن العلاقة بين الصين وروسيا مرت خلال مسار غير عادي للتنمية خلال الستين عاما الماضية والآن تواجه الصين وروسيا، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، المهمة الكبرى للتنمية المحلية، كما تتحملان المهمة التاريخية لتعزيز السلام والتنمية في العالم.
تتخذ الصين وروسيا مواقف متماثلة أو متشابهة إزاء القضايا العالمية الرئيسية مثل قضايا شبه الجزيرة الكورية، والشرق الأوسط، وإيران.وفى إطار منظمة شنغهاي للتعاون، حققت الصين وروسيا انجازات كبرى في المعارك المشتركة ضد الإرهاب والانفصالية والتطرف، وكذلك ضد تجارة المخدرات.
وأجرتا البلدان خلال الأعوام الخمسة الماضية العديد من المناورات العسكرية المشتركة بينهما، وكان آخرها في شهر يوليو الماضي تدريبات «مهمة السلام-2009» العسكرية المشتركة ضد الإرهاب، وهى الثالثة من نوعها، والتي تعكس المستوى العالي للتعاون العسكري الثنائي.
وقد أدت التنمية السريعة للتعاون الاقتصادي والتجاري إلى إثراء شراكة التعاون الاستراتيجية بين الصين وروسيا. وارتفع حجم التجارة الثنائية 10 أضعاف خلال العقد الماضي، ليحقق رقما قياسيا بلغ 8,56 مليار دولار عام 2008. وقد حقق قطاع الطاقة، وهو أحد المجالات الرئيسية للتعاون الاقتصادي بين الصين وروسيا، اختراقات كبرى هذا العام.
وبدأ تطبيق حزمة من اتفاقيات التعاون في مجال النفط حول بناء خط أنابيب، وتجارة النفط، والقروض، والتي وقعتها روسيا والصين في فبراير الماضي بعد توقيع الاتفاقية بين الحكومتين.وبموجب الاتفاقية، تشترك الصين وروسيا في بناء وتشغيل خط أنابيب يمتد من سيبيريا إلى شمال شرق الصين.ومن المتوقع أن يتم في أكتوبر 2010 تشغيل الخط، الذي تبلغ طاقته التمريرية السنوية 15 مليون طن من النفط الخام إلى الصين على مدى ال20 عاما القادمة.
وقد عززت الدولتان تطبيق الاتفاقيات الخاصة بالتعاون في مجال التعاون التعليمي وتعليم اللغة، وقامتا بزيادة عدد الطلاب والباحثين الذين يتم إرسالهم إلى جامعات الدولة الأخرى. ويدرس أكثر من 18 ألف صيني في روسيا، فيما يتعلم حوالي 9 آلاف روسي حاليا في الصين.كما تعتزم الدولتان إنشاء المزيد من مراكز اللغة الروسية في الصين، والمزيد من المعاهد الكونفوشية في روسيا.
هذا التطور في العلاقات بين البلدين العظميين لا شك يثير قلقا كبيرا لدى دوائر أجنبية عديدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي والإستراتيجي، حيث تشكل الصين قوة اقتصادية عالمية كبيرة تنافس على الريادة الاقتصادية في العالم، بينما تشكل روسيا الحديثة قوة سياسية وعسكرية كبيرة تزداد فاعليتها بمرور الايام وأصبح يحسب لها الغرب ألف حساب، ورغم هذا فإن كلا من الصين وروسيا تحاولان بجدية تبديد مخاوف الآخرين تجاههما وتجاه نموهما.
وتحاولان كسب ود وثقة كافة دول العالم بلا استثناء، ولكن التعاون العسكري المتنامي بشكل كبير بين البلدين يثير مخاوف الكثيرين، وخاصة الجيران الصغار في شرق أسيا، خاصة وأن هناك شبه تطابق تام في وجهات النظر بين موسكو وبكين في مختلف القضايا المثارة على الساحة الدولية، الأمر الذي جعل الكثير من المراقبين والمحللين يطلق على العلاقات بينهما وصف «الحلف الإستراتيجي الغير معلن».