لا أعرف إن كان يجب عليّ ـ أو لا يجب ـ أن أوجه الاعتذار إليك، يا من كنتَ حاضرًا بيننا، ورحلت في جنازة لا يحظى بها، عادة، إلا الحكام والرؤساء، وأبكيت مشارق الأرض ومغاربها، حزنا على من نظنها ؟ تارة- ابنتك التي ندرك جيدا أنها لن تتيتم بعدك، لكنها حتما ستُصاب بشيء من الجفاف في زمن القحط والجدب، ونظنها ؟

تارة أخرى- أمك التي أرضعتك حبها فجرى في جسدك مجرى الدم، ونحن ندرك جيدا أيضا أنها لن تتثكل بفقدك، لأن لها من الأبناء ما يُحصى بمئات الملايين يتوزعون في شرق الكرة الأرضية وغربها، إلا أننا بكينا، على الرغم من كل ذلك بكينا، ونحن لا نعرف أنبكيك أم نبكي تلك التي احترنا في تصنيف علاقتك بها، احترنا معك ومعها، وألقينا بعد ذلك حيرتنا وراء ظهورنا، وقدرنا حالة الفقد التي ستتجرعها أيا كانت علاقتها بك، وما سيترتب علينا نحن نتيجة ذلك. لا نعرف.. أنبكيك أم نبكي أنفسنا، أو نبكي أولئك الذين دخلت عالمهم، وأثريته بطريقتك الخاصة، وغادرته، وهم لا يعرفون عنك شيئا، ولا يعلمون أنك كنت هنا ورحلت.

كل ذلك الحزن الذي سكب نفسه في أرواحنا، قبل أكثر من سنة بقليل، لا يزال يرغمنا على الإحساس بمرارته كلما أمسكنا أثرا من آثار فراشة مرّت على هذه الحياة يوما، لعبت ـ كغيرها ـ لعبة النرد، لكنها في المرة الأخيرة خسرتها، لأن خصمها كان متطلبا أكثر مما يجب، فأخذها عنا في ساعة غفلة، كل ذلك الحزن، ولا يزال هناك من يجهله، ويجهل الشخص الذي استحقه. هذا ما تكشف عنه كثير من النقاشات التي تكون في قاعات دراسية أحيانًا، وفي مجالس عائلية أحيانا أخرى، نكتشف فيها ـ في كل مرة ـ أن الكثيرين من أبنائنا وبناتنا لا يكادون يعرفون شيئا عن أي شيء أو شخص يستحق أن يُعرف.

في سياق تلك المناقشة التي اكتشفت فيها أن طالبا واحدا فقط من بين عشرة طلاب يعرف اسم الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في العصر الحديث، لم أتمكن من ابتلاع دهشتي التي تحولت إلى حسرة وسخرية مرة لا أعرف من ماذا، لكنني شعرت بها.. وحين بقيت مصرة على أن أسمع من بقية الطلاب أي إشارة تدل على أنهم سمعوا به في حياتهم، فاجأني أحدهم بقوله لا بد أن يكون كاتبا، أو أديبا، وكأنه يقول لي إنه من المؤكد أنني لن أسألهم عن لاعب كرة أو نجم سينما، فلا بد أن يكون الشخص الذي أسألهم عنه كاتبا أو أديبا!!

إن أبناءنا يثبتون دائما أنهم أذكياء جدا، وذكاؤهم يغنيهم عن الثقافة والعلم والدراسة، فلماذا يشغلون أنفسهم بها!لا يهمني الشخص/الشاعر نفسه بقدر ما يهمني الكنز الذي تركه ومضى. فالأشخاص فانون، أما الكنز فهو الباقي، وهذا الشخص المعلوم المجهول الذي كان موضع حديثي مع أولئك الطلبة ترك كنزا ثمينا نحته من صخور شديدة القسوة، مختلفة جدا عن بعضها، ومرتبطة جدا ببعضها، ثم رحل، ولكنه كما قلت، معلوم مجهول.. أن نجهل شخصا ما هذا أمر من الممكن أن يحدث، قد تضيع الأسماء، وتغيب الملامح، ولكن أن تضيع الروح والأثر، أن يكون كل الناس سواء.. أن تصبح أشجارنا المثمرة وغير المثمرة سواء؟ أو أن تتساوى الثمار؟ فهذا ما لا يمكن أن يقبله عاقل، إلا أنه ما يحدث في الواقع بالفعل.

هذه السطور ليست رثاء لماضٍ، لشخص كان موجودا ثم رحل، إنها رثاء لحاضر خجل، ومستقبل مرتبك لا نعلم بأي الألوان سيُصبغ! فالشخص الذي كان موجودا لا يزال حاضرا بروحه بيننا، سواء سمع عنه طلابنا أو لم يسمعوا به، لأنه ترك ما يخلده ويبقي اسمه حيا لا علاقة له بموت الجسد وفنائه، لكن الرثاء لمن هم أحياء ولكنهم للأسف كالأموات، لا يعرفون من أمرهم شيئا، ولا يبالون بذلك، وكل شيء يتعلق بالحياة والمعرفة والثقافة والمفاهيم الإنسانية الكبرى يقع خارج دائرة اهتمامهم، تلك الدائرة الضيقة جدا جدا.

لن أعتذر إليك أيها الشاعر، لأن الأمر بسيط جدًا، وهو أنك فرد واحد، ونحن في حاجة إلى أن نعتذر لتراث بشري كامل يقع خارج نطاق اهتمام أبنائنا الذين يثيرون الشك في أشد المسلمات وضوحا، شكنا نحن طبعا في هذه المسلمات إزاء جهلهم السافر بها. إنهم لا يكادون يعرفون شيئا عن أي شيء يستحق أن يُعرف، ومع ذلك يمتلكون من القوة في الجهل ما لا يمتلك مثله كثير من العلماء في علمهم تواضعًا بالطبع، إنهم مفرغون من الداخل ومنتفخون من الخارج، أشبه بفقاقيع لا قيمة لها، ولكنهم يظنون أنهم محور هذا الكون، وأن الكون يتوقف في دورته على وجودهم.

من الممكن أن يكونوا كذلك، بقليل من التواضع، وقليل من الإقرار بالجهل، وكثير من الرغبة في العلم.. بالتخفف قليلا أيضا من النبرة الاستعلائية في كلامهم، تلك التي تجعلهم يتحدثون وكأن كل واحد منهم شيخ قبيلة، مع أنه لم يطرق أبواب العقد الثالث من عمره بعد، ولا يزال ينتظر بشغف رؤية الصفر الثاني في عمره. هكذا هم أبناؤنا وبناتنا، الآن، أكثر من أي وقت سابق، كأنهم أصبحوا يولدون منتفخين، وكل منتفخ يلد طفلا أكثر انتفاخا منه، حتى أصبحنا محاطين ببالونات وفقاعات لا قيمة حقيقية لها، لا تعدو في كثير من الأحيان أن تكون مجرد أشكال جميلة، لكنها مفرغة من الجوهر، وهو الأساس.

أعود إلى ما بدأت به هذه السطور.. هل أعتذر إليك أيها الشاعر الذي أثرتَ كل هذا؟ أو أوجه الاعتذار إلى الماضي؟ أو أعتذر للحاضر الذي يعيشه أبناؤنا وبناتنا مغمضي العيون، أو أعتذر للمستقبل الذي يقترب منا بسرعة الصاروخ زمنيًا، لكنه بعيد عنا ونحن بعيدون عنه فعليا بملايين السنوات الضوئية، ولا أعرف هل يخدعنا أو نحن الذين نخدعه؟

لا أريد أن أبدو متشائمة ؟ على غير ما أعرفه عن نفسي- لكننا مضطرون أحيانًا إلى أن نتأثر، سلبًا، ببعض ما يحدث حولنا، وتفشل محاولاتنا الكثيرة بالتحلي بالتفاؤل، وبتحويل أشد اللحظات عتمةً إلى ساعات ممتدة من التفاؤل والأمل.