كانت إيران وبرنامجها النووي الموضوع الرئيسي في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة وفي اللقاءات في أروقتها. وعرض ميدفيديف لأول مرة إمكانية تأييد العقوبات ضد إيران، مثيراً دهشة الجميع بما فيهم أعضاء الوفد الروسي نفسه، فقد أدلى ميدفيديف إثر اللقاء الثنائي مع نظيره الأميركي باراك أوباما في نيويورك، بتصريح مفاجئ قال فيه: «إن استخدام العقوبات في بعض الحالات يكون حتمياً». وتألق وجه أوباما بعد سماعه هذا الكلام من ميدفيديف، كما أشارت «نيويورك تايمز».

رغم هذا التفاؤل فإن الأمر لا يتعدى مستوى الأقوال والتصاريح التي تصطدم بالواقع عند التطبيق، حيث من المؤكد أن العقوبات التي يقصدها ميدفيديف ليست هي العقوبات التي تريدها واشنطن والغرب والتي تمس بشكل مباشر مصالح روسيا مع إيران وأيضاً مصالح الصين مع إيران.

في موسكو لا يعتبرون تقارب مواقف البلدين بشأن إيران بمثابة تنازل من الكرملين لأوباما مقابل التخلي عن منظومة الدفاع المضاد للصواريخ (الدرع الصاروخية) في أوروبا. بينما وزارة الخارجية الروسية على العكس، تربط بين الحدثين. حيث صرح مصدر في الخارجية الروسية قائلاً: «من الضروري التحلي بالمرونة، ومراعاة المرحلة الجديدة، لقد تنازلوا لنا في مجال الدرع الصاروخية، ويجب علينا تقديم شيء بالمقابل»، الحقيقة أن موسكو تقدر كثيراً قرار الرئيس ألأميركي أوباما بالتخلي عن الدرع الصاروخية في أوروبا، لكنها في الواقع لا تستطيع أن تقدم له مقابل ذلك تضحيات كبيرة، مثل التخلي عن إيران، أو حتى السماح باستخدام الأراضي الروسية ترانزيت لعبور المعدات العسكرية لأفغانستان، فكلا الأمرين مرفوضان تماماً من موسكو.

ومن الواضح أن لدى الرئيسين الروسي ديميتري ميدفيديف والأميركي باراك أوباما ولع مشترك، فكلاهما يحبان الكلام المبرمج ويكررانه بانتظام. وحتى كلمتاهما أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة كانتا متشابهتين إلى حد كبير. الزعيمان يناديان بعدم انتشار الأسلحة النووية، ووعدا بتقليص ترسانتيهما النوويتين. وحتى تعداد المقترحات العملية يكاد يكون متطابقاً. وكل واحد منهما أقسم بإخلاصه للأمم المتحدة كإرث فريد من نوعه للقرن العشرين، ويجب تحديثه وتطويره.

أما عن الاختلافات الشخصية بينهما فإن ميدفيديف يتكلم بشكل ملموس ومختصر، بينما أوباما أكثر كلاماً وأكثر عاطفية. ومن الملاحظ أن المستوى الأيديولوجي كان منخفضاً: أوباما لا يؤكد كل لحظة على الحرية كما كان سلفه بوش يردد كثيراً، وميدفيديف تفادى ذكر اتهامه التقليدي للولايات المتحدة بالمسؤول الرئيسي عن الأزمة المالية والمآسي الأخرى.

جوهر ومضمون حديث الرئيسين قريب جداً، وأحياناً من الممكن عدم التفريق بينهما. لكن في المقارنة الدقيقة للمقالات المتشابهة بالنسبة لحل المشكلات العالمية، تظهر الاختلافات الرئيسية في المنهج. أوباما يرى أن مفتاح حل المشكلات العالمية يكمن في أن تلعب الولايات المتحدة دوراً أكثر نشاطاً وأن تضع أمامها أهدافاً طموحة أكثر، وأن تجذب وراءها الآخرين. لكن ميدفيديف، يرى أن عنوان النجاح يكمن في خفض مستوى الطموحات الأميركية، وجعل أميركا دولة كغيرها من الدول في هذه العملية.

الرئيس الروسي يتكلم عن تجاوز الماضي، لكن مع هذا مرة أخرى يعود مذكراً بالحرب العالمية الثانية. موقفه منطقي: الأمم المتحدة ظهرت إلى الوجود أصلاً نتيجة للحرب العالمية، وإعادة النظر بنتائجها يقوض شرعيتها. أوباما أيضاً يتحدث عن تلك الفترة، لكن ليس عن ظروف محددة أدت إلى تأسيس الأمم المتحدة، بل إلى الأفكار العامة لفرانكلين روزفلت بالنسبة إلى «توحيد الجهود». ولاحقاً، من الممكن الاستنتاج، أن هذه الأفكار بقوتها في تلك الفترة لم يتم تطبيقها على أرض الواقع، والآن حان الوقت لفعل ذلك ولكن في وضع جديد.

ومع ذلك، يعتقد ميدفيديف أن الأمم المتحدة المتشكلة بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد تلك الهيكلية، هي التي يجب تعزيزها في كل شيء.رغم هذا التوافق والتطابق بين الزعيمين فإن كل منهما يمثل مصالح متناقضة تماماً مع مصالح الآخر، ولهذا تبقى الأقوال كما هي بينما تأتي الأفعال مختلفة تماماً.