شهدت الساحة السياسية العراقية، في الأشهر الأخيرة، وقوع أحداث هامة لم تقتصر تأثيراتها على الأوضاع الداخلية فحسب، وإنما توسعت لتحظى باهتمام كبير على مستوى إقليمي وتثير قلقاً في أكثر من بلد. أبرز هذه الأحداث يمكن حصره في الآتي:

1. تراجع ملحوظ في الوضع الأمني في معظم محافظات العراق.

2. إعلان تشكيل الائتلاف الوطني العراقي امتداداً لكتلة الائتلاف العراقي الموحد في محاولة لإضفاء الطابع الوطني على تكوينه عن طريق تطعيمه ببعض الوجوه، وليس الكتل، من الطائفة السنية. ويبدو أن جهوداً كبيرة، من خارج العراق، قد وظفت لممارسة الضغوط على بعض الكتل التي انسحبت من الائتلاف العراقي الموحد مثل حزب الفضيلة والتيار الصدري والمؤتمر الوطني العراقي لضمان العودة إليه. ويأتي هذا الإعلان في ظروف خُلقت لتهيئة الأجواء لعودة الاصطفافات الطائفية التي تصب في مصلحة احدى دول الجوار العراقي كي تحافظ هذه الدولة، من خلال ذلك، على النفوذ الذي مارسته في الفترة الماضية.

3. وقوع عملية سطو كبيرة في الثلاثين من يوليو المنصرم على فرع مصرف الرافدين في منطقة الكرادة (الزوية) في العاصمة بغداد وسرقة مبلغ يعادل أربعة ملايين دولار وقتل ثمانية من حراس المصرف. وقد قام بهذه الجريمة وحدة خاصة من وحدات الجيش العراقي المكلفة بحماية كبار المسؤولين في الدولة عن المجلس الأعلى الإسلامي. وقد سُيست هذه القضية لإضعاف فرص عادل عبد المهدي المرشح القوي للمجلس لرئاسة الوزارة حين نُشر مقال كتبه أحد الصحافيين تحت عنوان (ثمانمئة ألف بطانية) غمزاً في قناة المجلس الأعلى الإسلامي.

4. تفجيرات الأربعاء الدامي في التاسع عشر من أغسطس المنصرم في تحد كبير للدولة، حيث نالت هذه التفجيرات من هيبتها حين استهدفت أبرز رموزها، وزارتا الخارجية والمالية داخل المنطقة الخضراء، وسلبت رئيس الوزراء نوري المالكي منجزه الأمني الذي طالما تحدث عنه بزهو وفخر، مما دفعه إلى التسرع في اتخاذ قرار أضعف من موقفه السياسي وأتاح لمنافسيه فرصة إضافية لإحراجه والنيل منه، وذلك حين اتهم سوريا بأنها وراء ذلك، مما تسبب في أزمة خطيرة بين البلدين عند طرح العراق فكرة اللجوء إلى محكمة دولية تنشأها الأمم المتحدة للتحقيق في ذلك.

5. إصدار مجلس الرئاسة العراقي بياناً للتبرؤ من موقف حكومة المالكي الخاص في توجيه الاتهام إلى سوريا، وتوجيه رسالة إلى الأمين العام للجامعة العربية لإعلامه بذلك في تحد وإحراج كبير للمالكي. كما صدرت بيانات أخرى عن بعض الكتل السياسية المنضوية تحت الائتلاف الوطني العراقي تعبر عن عدم الرضا عن التصعيد في الموقف المعادي لسوريا، إمعاناً في إضعاف موقفه.

6. وفاة عبد العزيز الحكيم رئيس كتلة الائتلاف العراقي الموحد ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي، وتولي ابنه عمار الحكيم رئاسة المجلس خلفاً له في تكريس التوريث السياسي في الأحزاب السياسية العراقية، الذي ابتدأ لأول مرة في الحزب الديموقراطي الكردستاني إثر وفاة زعيمه مصطفى البارزاني في سبعينات القرن المنصرم. وقد يكون لدعوة عمار الحكيم للإصلاح وتصحيح بعض مواقف المجلس الأعلى الإسلامي تأثيراً على مستقبل المجلس، ومستقبل علاقاته مع حلفائه، ومستقبل بعض القيادات التقليدية فيه.

من الصعب رؤية بعض هذه الأحداث بمعزل عن البعض الآخر، ومن الصعب كذلك فصلها عن الصراعات الخفية التي تتصاعد حدتها وتتنوع أدواتها مع قرب الانتخابات التشريعية في يناير القادم. كما أن من الصعب تجاهل تداعيات أحداث أخرى على مستقبل العملية السياسية ومستقبل قوى رئيسية فيها. فهناك تنافس شديد على إشغال منصب رئاسة الوزارة، للمرحلة المقبلة، وهذا التنافس ليس معزولاً عن التدخلات التي تمارسها دول الجوار في الشأن العراقي.

تعرض رئيس الوزراء نوري المالكي إلى ضغوط شديدة، داخلية وخارجية، طيلة الفترة السابقة، لعودته وعودة حزبه إلى الائتلاف الوطني الجديد. فبقاؤه وحزبه، ومن التحق به، خارج هذه الكتلة يهدد بتبدد أحلام من يخطط، من منطلق طائفي، لتحويل التوافقات الحالية إلى ثوابت في العملية السياسية تكرس الهيمنة على مقاليد السلطة بسلاح الأجندة الطائفية وليس بسلاح الأجندة الوطنية.

والحقيقة أن دوافع رئيس الوزراء للبقاء خارج هذا الائتلاف والرهان على ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه، ليست بعيدة عن هوى النفوذ ولذة التمتع بالسلطة، فقد أبقى خطوط تواصله مع هذا الائتلاف مفتوحة لجس النبض حول حظوظه لرئاسة الوزراء في الدورة القادمة داخل الائتلاف الجديد. وقد توصل إلى القناعة بأن فرصه للبقاء في رئاسة الوزارة، إذا دخل هذا الائتلاف، ضعيفة للغاية إن لم تكن معدومة.

فقد جاء إلى منصبه الحالي في ظروف الاصطفافات الطائفية التي حرص منظروها على تعزيز تماسك الطائفة، وتقدم على أبرز منافسيه، عادل عبد المهدي، من خلال دعم التيار الصدري الذي رجح كفته، والذي لم يعد يكنُ له أي ود بعد عملية صولة الفرسان التي حجمت دور هذا التيار وهزمت ميليشياته.

هذا إضافة إلى أن التحالف الكردستاني، أقرب الحلفاء إلى الائتلاف الوطني العراقي، قد وضع خطاً أحمر على المالكي كما وضعه على سلفه إبراهيم الجعفري من قبل، وذلك بسبب الخلافات الخطيرة بين بغداد وأربيل حول قضايا كبيرة تتعلق بصلاحيات إقليم كردستان في التصرف بالثروة النفطية وقضية كركوك وما يسمى بالمناطق المتنازع عليها في بعض المحافظات وخاصة محافظة نينوى. هذا على الرغم من أن المالكي حرص على التهدئة في جبهة المواجهة هذه، في لقائه، الذي تأخر كثيراً، مع رئيس إقليم كردستان في منتجع دوكان مؤخراً.

فقد توصل مع رئيس الإقليم إلى اتفاق لوقف التصعيد الإعلامي وترحيل البت في الخلافات حول القضايا الساخنة إلى الدورة النيابية المقبلة. آليات التنافس على منصب رئاسة الوزارة العراقية، وأدوات هذا التنافس، قد تخطت كثيراً ما هو مألوف في الأعراف الديموقراطية وتقاليدها، فهناك ضربات كثيرة توجه تحت الحزام. إذ ليس من قبيل المصادفة العفوية، في هذا الظرف بالذات، أن نلحظ ظهور تقارير، على الإنترنت، تفيد بوجود علاقة بين رئيس الوزراء نوري المالكي وبعض الوجوه القيادية في حزبه، مع التفجيرات الإرهابية التي حدثت في ثمانينات القرن المنصرم، والتي طالت وزارة التخطيط العراقية والسفارة الأميركية في الكويت والسفارة العراقية في بيروت.

فالمالكي لم يتعرض لحملة كهذه في السنوات الثلاث المنصرمة وهو على كرسي رئاسة الوزارة. في مقابل كل ذلك، يضع أغلب العراقيين علامات الاستفهام حول قدرات المتنافسين على منصب رئاسة الوزارة على مقاربة مشاكلهم التي تتفاقم مع الأيام، من جهة أولى، ويرسمون ظلال الشك حول النوايا الحقيقية لهؤلاء المتنافسين، من جهة ثانية، ويبدون مواقف غير مبالية بجدوى العملية السياسية نفسها، من جهة ثالثة. وقد انعكس ذلك في عزوف ملحوظ للناخبين عن تحديث سجلاتهم، وهو ما حذرت المفوضية العليا للانتخابات من تداعياته السلبية.