أُعيد انتخاب حميد كرزاي رئيسا لأفغانستان من الدورة الانتخابية الأولى بنسبة 54 بالمئة من أصوات الناخبين. ولم يغب عن فهم أحد أن هناك ما يقال عن سير تلك الانتخابات. ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة والاستغراب ذلك الفرق المريب بين رقم الـ 17 مليون ناخب المسجّلين على اللوائح الانتخابية بينما تشير الإحصائيات الرسمية أنه يوجد في أفغانستان حوالي 12 مليون شخص تزيد أعمارهم عن الـ 18 سنة يحق لهم الاقتراع. هذا يعني ببساطة أن العديد من الناخبين يمتلكون عدّة بطاقات انتخابية. أمّا المشاركة فقد كانت ضعيفة، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الباشتونية حيث يبلغ ضغط طالبان ذروته.
وتأتي هذا الانتخابات في فترة برزت فيها أزمة ثقة عميقة بين باراك اوباما وحميد كرزاي صديق جورج دبليو بوش. ويُعيب عليه اوباما خاصة عدم نزاهة وفساد حكومته. كما تضغط عليه إدارته للتخلّص من العديد من رؤساء الحرب المحيطين فيه والذين يشكلون بنظرها عائقا أمام قيام دولة القانون في أفغانستان.
وما حدث هو عكس ذلك تماما فالرئيس الأفغاني اعتمد على دعم العديد من رؤساء الطوائف الإثنية في شمال ووسط وغرب البلاد. وهذا يفسر، حسب رأي عدّة دبلوماسيين في كابل، طلب مبعوث الأمم المتحدة ريشارد هولبروك من كرزاي ضرورة تنظيم دورة ثانية من الانتخابات الرئاسية. كان ذلك الطلب يرمي إلى هدفين. الأول هو إعطاء مسحة ديمقراطية لهذه الانتخابات في مواجهة أشكال النقد المتعاظمة لدى الرأي العام الغربي. والهدف الثاني هو منع حميد كرزاي من أن يعتبر نفسه بموقع قوّة ويصغي بالتالي إلى مطالب القوى الغربية.
لكن الأكثر خطورة قد يكمن في موقع آخر. فمن المعروف أن الوضع العسكري يتردّى أكثر فأكثر وعدد الضحايا من القوات الدولية هو أكبر من أية فترة أخرى منذ عام 2001. واعترف قائد القوات الأميركية الأميرال مايك مولن أن الوضع العسكري أصبح مقلقا جدا وأن مقاتلو طالبان يحققون انتصارات عسكرية أكثر في المواجهات العسكرية. وإذا كان الرئيس اوباما قد سمح في الربيع الماضي بنشر 21000 جندي إضافي فهو لم يحدد بعد أهدافاً واضحة واستراتيجية مقروءة للمخرج في أفغانستان.
ثم إن عدد القتلى المتزايد بين الجنود لأميركيين والكلفة الباهظة للحرب التي قاربت 220 مليار دولار بدأت تثير حفيظة الرأي العام الأميركي. هكذا أعلنت نسبة 54 بالمئة من الأميركيين في شهر أغسطس الماضي معارضتهم لمتابعة التدخّل العسكري بينما لم تدعمه سوى نسبة 41 بالمئة من الأميركيين. والمعركة من أجل كسب «قلب وعقل» الأفغان والإرادة المعلنة من قبل إدارة اوباما بإعطاء صبغة أفغانية للحرب لم تتجاوز حتى الآن مرحلة الشعارات الفارغة التي تفتقر إلى ترجمتها في الواقع.
ولا يزال أغلبية الأفغان يرون في القوات الأجنبية قوات احتلال. وهناك الكثير من الخبراء الأميركيين يرون أن الحرب بصورتها الحالية يمكن أن تستمر كما هي لسنوات دون أن يستطيع أي فريق من الداخلين فيها فرض انتصارات حاسمة.
وهناك عامل إضافي قلّ أن جرى الحديث عنه مع أنه يثير قلق الدول التي لها جنود في أفغانستان. وهذا العامل يتعلّق بالرهانات الإستراتيجية. إن الحكومة الأفغانية تبحث عن إيجاد ما يقابل وزن واشنطن عبر نسج علاقات إقليمية جديدة. وهناك ثلاث دول هي بصدد الاستفادة من هذا المعطى الجديد وهي روسيا وإيران والصين. وهذا يمثّل عودة لسياق تاريخي مألوف بالنسبة لروسيا وإيران وتعبير عن الطموح باتجاه آسيا الوسطى بالنسبة للصين.
إن كل دولة من هذه لدول تلعب على طريقتها ورقت التباين بين الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة من أجل تحسين مواقعها وإضعاف دور واشنطن في المنطقة. لكن لا شيء ثابت في هذه التطورات ولا ينبغي تجاهل نفوذ باكستان على قسم من طالبان مما يمكن أن يكون حاسما في حالة فتح صفحة مفاوضات بين حكومة كابل ومجموعات من طالبان. ومهما تكن الزاوية التي تتم من خلالها محاولة فهم الوضع في أفغانستان هناك أمر ثابت واحد.
وهو أن التدخل العسكري الدولي الرامي إلى طرد طالبان من السلطة وإحلال الأمن والسلام قد تحوّل إلى حرب لا نهاية لها بينما تغدو أهدافها السياسية أقلّ فأقل تحديدا. وفي الوقت الذي يتم فيه تكريس 3 مليارات دولار شهريا من قبل واشنطن للعمليات العسكرية لا تتجاوز المساعدات الدولية المدنية لأفغانستان 200 مليون دولار ؛ هذا مع إدراك الجميع أنه لن يكون هناك حل عسكري للحرب. من هنا غدا من الملحّ أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر في أهداف وإستراتيجية التدخل الدولي في أفغانستان.
