قناعات الناس باستخدام المترو تزداد كثيرا بين المواطنين، هذه ملاحظة يمكن أن تستشف من الذين قاموا بتجربة ارتياده، فيما آخرون ما زالوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى تحت مبدأ أن السيارة الشخصية تتيح خصوصية وتوفر سهولة أكثر.
الذين جربوا المترو يكسر حاجز المليون راكب منذ انطلاقته الميمونة يتحدثون عن أشياء فريدة، بالرغم من أن كثيراً منهم دخلوا التجربة من باب الفضول والتعرف، ومنها مسألة في غاية الأهمية، ألا وهي الاسترخاء والتخلص من عناء الشد والتوتر العصبي الذي يسببه الوجود في ازدحامات الطريق والوقوف أمام الإشارات الضوئية، وبعض المغامرات في القيادة للوصول في الوقت المناسب، عدا التوتر والشد العضليين من إجراء القيام بالقيادة.
للمثقفين والأدباء علاقة ورقية بالمترو والقطارات، روايات تولستوي ودستويفسكي وغيرهما تلك التي يجر فيها الروائيون أحداثهم إلى القطارات ومحطاتها لاقتناص لحظات فريدة، في تلك الرحلات التي تجلب الصمت والاسترخاء، وكذلك تجلب الصدف حينما تلتقي الوجوه عبر مسافات الزمن والعمر المديد.
من حكايا مترو دبي أن التقى ثلاثة بعد رحلة بالمترو في محطة مول الإمارات، وكان المقصد حضور معرض تشكيلي في الفندق المجاور. الثلاثة ليسوا أناسا عاديين، أحدهم أديب وكاتب له عدة نتاجات أدبية ومهتم بالثقافة ويعد من المثقفين النوعيين.
والثاني باحث ومسؤول في دائرة تراثية، مشغول بالجمع والبحث التراثي، له نتاجات أدبية في المضمار، والآخر صحافي وإعلامي عربي قضى دهرا من سنوات اغترابه في باريس، لقاء الثلاثة في تلك المحطة أثمر حوارا فريدا من نوعه، لم يكن مرتبا له، ولكن مترو دبي الذي يجربه الأول والثاني من باب الفضول للمرة الأولى وانعكاسات رحلة المشوار الهادئ في الطريق إلى محطة الوصول جلبت كل تلك التداعيات، فيما وجد الثالث المناسبة مكانا جيدا لسرد أهمية نقاط الالتقاء في المحطات التي تتمتع بمقاهي القهوة الاكسبريسو واللاتيه والكبتشينو.
الباحث والأديب ماجد بوشليبي، والباحث في تراث الشؤون عبدالعزيز المسلم، وزميلنا العراقي الذي اغترب في باريس شاكر نوري يعترف الثلاثة في حوار هادئ أن الانتقال بالمترو له فوائد على الصعيدين النفسي والفكري..الباحث بوشليبي يعترف أن استغلال السيارة عبر الطرق العادية لا توفر المنظور السليم للمدينة، فيما العبور عبر سكة المترو ومن مستوى المنظور عبر النوافذ توفر قراءة بصرية غاية في الروعة تدعم الاسترخاء والتفكير، واقترح بوشليبي أن حمل بضع ورقات قد يوفر تدوين معلومات، أو كتابة فقرة في رواية أو عمل بحثي، فمساحة التأمل ومستوى الرؤية فرصتان توفران تداعيا حراً وتأملاً فريداً.
أما الباحث المسلم فهو الآخر يثني على متعة الجلوس في هدوء في مقطورة المترو والتخلص من عناء سياقة السيارة والالتقاء بالوجوه التي يعرفها والتي لا يعرفها.. أما الزميل شاكر نوري فقد وجدها فرصة لإلقاء مداخلة تبدو مقاربة بين العزلة والاختلاط بالآخرين، فالسيارة تزيد من العزلة، أما المترو فهو لقاء المصائر البشرية، ودلل على حالات عديدة حينما تتحول محطات المترو إلى نقاط التقاء بين الأدباء والكتاب.
فكتاب أميركا اللاتينية يعقدون مواعيد في باريس، ويتوافد المدعون عبر سكك المترو والقطارات استثمارا للوقت في قراءة كتاب أو تأمل مشروع ما.. فيما ابتكرت دور النشر الغربية طبعات خاصة من كتبها للقراءة في داخل المترو، رخيصة وخفيفة وهناك ست جرائد مجانية في باريس تستخدم في المترو فقط.
