تتوالى الشواهد على خضوع العالم العربي لظاهرة العولمة الثقافية بصفته متلقياً ومستقبلاً بأكثر من كونه منتجاً ومرسلاً. آخر هذه الشواهد ما أعلن مؤخراً في أنقرة عن الانتهاء من التحضيرات اللازمة لبث أول قناة فضائية تلفزيونية باللغة العربية. ستحمل القناة اسم (تي آرتي 7) وسوف تتبع الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون التركي، أي أنها ستندرج ضمن منظومة الإعلام الحكومي الرسمي وستنطلق فعالياتها في غضون أكتوبر 2009.

ولأن الثقافة والإعلام لا يغردان وحدهما في دنيا التأثير واجتذاب العقول والأفئدة وصناعة الرأي العام، فإننا مجبرون على افتراض وجود أهداف سياسية واقتصادية ونفسية رديفة أو موازية، ستعمل القناة التركية العتيدة على تزكيتها والترويج لها لدى الجمهور العربي.

بالمفهوم الجيوستراتيجي، تقع تركيا ضمن القوي الكبرى الإقليمية على الطرف الشمالي للنظام العربي، تشاركها في هذه الخاصة كل من إيران شرقاً وإثيوبيا جنوباً.. هذا علاوة على إسرائيل في منطقة القلب. وبالنسبة للتصنيف الغربي، تتبوء هذه الدول الأربع مكاناً علياً في خريطة زالشرق الأوسطس التي يراد بها إخفاء سمة العروبة المميزة لهذا النظام.

إذا انطلقنا من هذا المشهد الجيوستراتيجي، ذهبنا إلى أن أنقرة تسعي بفضائيتها العربية إلى استكمال شروط أو معالم محاكاة كل من تل أبيب وطهران في مخاطبة العرب بلغتهم الأم. وهنا يسجل لإسرائيل قصب السبق في هذا الإطار، فيما انخرطت طهران في المضمار منذ بضعة أعوام عبر فضائية «العالم».. ولا ندري متى تتمكن أديس أبابا من اللحاق بهذا التقليد.

نود القول بأن دول الأطراف الإقليمية تتنافس على مخاطبة الرأي العام العربي ولا تدع وسيلة فاعلة على هذا الصعيد، وقمتها الإعلام المرئي على مدار الساعة بعد المسموع والمقروء، دون أن تستخدمها.

قبل هذا التطور بكثير، كانت القوى ذات النفوذ الدولي الأوسع؛ العابر للأقاليم والقارات، قد راحت تصول وتجول بإعلامها، الحامل لثقافاتها ونوازعها الايديولوجية والسياسية، في الرحاب العربية. في عامنا الحالي 2009 تحتفل إذاعة البي بي سي البريطانية بمرور 75 عاماً على بداية بثها باللغة العربية. ويعرف هواة الإعلام المسموع أن عدداً كبيراً من الدول الأوروبية كفرنسا وهولندا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا، فضلاً عن الولايات المتحدة وروسيا، سارت على درب الرائد البريطاني ذاته منذ عقود.

وفي وقت أقرب أضافت الدول الأكثر عناية بنفوذها دولياً وعربياً بالطبع، ومنها الصين أخيراً، قنوات فضائية تبث بالعربية إلى منظومتها الثقافية الموجهة إلى الخارج. والحال كذلك، يمثل العرب «دائرة تنشين» ثقافية إعلامية بالنسبة لمعظم- حتى لا نقول لكل ـ القوى أو المنظومات التي تستشعر في نفسها أهلية ورغبة التأثير في الوجدان العربي، وتجد أن لها مصلحة في ذلك بالمعنيين الإقليمي أو الدولي أو بكليهما معاً.

من بين الإيجابيات التي توحي بها عملية التكاسر الإعلامي هذه، أن العرب قوة يُعتد بها بحيث ترجو الأمم الأخرى استمالتهم واستقطابهم وودهم والتأثير في مواقفهم بمختلف المعاني، والتغلغل بثقافاتها بين جوارحهم. ويتعزز هذا الإيحاء بشكل استثنائي عند ملاحظة التكلفة المادية والموارد التي يتعين على هؤلاء الآخرين المريدين تخصيصها، لإحداث النتائج المرجوة ولاسيما على محور الإعلام الفضائي.

غير أن هذا المنظور يبدو متفائلاً بأكثر من اللازم عندما نتدبر في حقيقة أن البث الثقافي الإعلامي الموجه ينطوي على مقاصد للمرسل لا تتسق جميعها أو معظمها مع مصالح المتلقي. النظرية والتجارب والواقع يقولون معاً بأن هذا البث، وبخاصة الفضائي المرئي المنهمر قوي المفعول، هو أحد أهم أدوات إدارة العلاقات الدولية والتعامل مع الآخرين في زمني السلم والحرب وما بينهما من حالات.

وفي اعتقادنا أن مردودات هذه الأداة في حالة السلم ربما كانت أوقع وأكثر نجاعة حين تستخدم من قبل عدو في زمن الاضطراب والحرب. قبل بضعة أعوام اعترفت مصادر إسرائيلية بفشل قنوات التلفزيون الإسرائيلي الأرضية القديمة والفضائية الأحدث عهداً الناطقة بالعربية في تحقيق أهدافها تجاه العرب عموماً، الواقعين منهم تحت الاحتلال والسيطرة والبعيدين نسبياً بالجوار.

والظاهر أن النتيجة ذاتها تنطبق على أداء الفضائيات الأميركية والبريطانية وإن بدرجة أقل. وذلك بسبب المعرفة العربية المستقرة حول الانحياز الأميركي والبريطاني؛ الغربي بعامة، ضد الحقوق العربية سياسياً والمنازعة الغربية للثقافة العربية بالمفهوم العريض. لكن هذه النتائج لم ولا تعني سحب هذه الأداة الجبارة من الميدان، وإنما لجوء هذه القوى إلى تحري تكتيكات ثقافية إعلامية دعائية أعمق غوراً بقصد الوصول إلى الأهداف المبتغاة ذاتها.

مؤدي هذا بمنطق المخالفة أن فضائيات القوى الإقليمية غير المشتبكة في قضايا ساخنة مع العرب، كإيران وتركيا، لديها فرص أفضل لمخاطبة العقل العربي بقليل جداً من الحساسيات والمحاذير. ثم إن هذه الفرص تبدو أكثر رحابة واحتمالا في ضوء الأرضية التاريخية والثقافية المشتركة بين هذه القوى والعرب، التي يمارس فيها المشترك الديني دوراً حاسماً إلى أبعد الحدود.

وفي كل حال، فانه سواء طرحت مسألة استهداف المنطقة العربية ثقافياً وإعلامياً تأثيراتها بالإيجاب أم بالسلب، فان العرب لا يمكنهم ولا يسعهم إغلاق الأرض والفضاء على أنفسهم، كما أنه حتى لو كان ذلك الإغلاق والانغلاق بوسعهم فانه ليس الحل الموضوعي للتعامل مع هذه المسألة.

اجتهادنا في هذا السياق، هو أن العرب بصدد مواجهة ثقافية إعلامية فرضت عليهم بحكم المستجدات التقنية وبحكم موقعهم تحت نظر وبرامج أصحاب مصالح في هذا الموقع إقليمياً ودولياً.. وهذا يقتضي ثقافة فعل وتأثير لا ثقافة انفعال وتأثر. والعرب يملكون مقدرات هذه الثقافة وما عليهم سوى إتقان توظيف هذه المقدرات. مثلاً، هناك أكثر من ثلاثمائة قناة فضائية عربية ليس من بينها على حد العلم سوى واحدة تخاطب الأقوام الأخرى بالإنجليزية بشكل مستمر وأخرى تبث بالعبرية لساعات قليلة!. أين القنوات العربية التي تخاطب القوى المتكالبة على العرب إعلامياً بالفارسية والتركية والروسية والفرنسية والصينية واليابانية؟.

الذي يدعو للأسى أن هذا الحشد الفضائي لا يسهم في تحقيق شرط الحصانة الثقافية؛ الفكرية والمعلوماتية لأبناء الأمة ضد الزخات الثقافية الواردة من كل حدب وصوب.. بل ولعل البعض يفعل العكس على طول من خلال ترجمة بعض البرامج الوافدة ودبلجتها إلى العربية من غير تصرف ولا تفكر في مدى مناسبتها لثقافتنا وتقاليدنا.

لا يتسع المقام لنقد الخطاب الإعلامي الفضائي العربي وبيان مثالبه. لكن يقيننا بإيجاز هو أنه لا يفل البث الفضائي الغازي للبيوت العربية إلا بث مضاد من ناحية وتعزيز للمناعة الثقافية الذاتية من ناحية أخرى.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com