احتجت للزوميات العمل إلى نبذة تاريخية عن منطقة في إحدى الإمارات، بحثت في قنوات البحث، أجريت عدة اتصالات لأصدقاء في مؤسسات وهيئات ذات اختصاص، سهرت على «النت» و«غوغل»، نبشت المواقع التي لها علاقة بالآثار والتراث والتاريخ والسياحة، بحثت في اطار عام، نبشت مكتبتي المتواضعة، لم احصل سوى على عدد من الأسطر عن هذه المنطقة المكتنزة بالتراث والتاريخ، اسطر لا يعبر عددها إلى أصابع اليد الثانية، اتصلت بمسؤول في إحدى الدوائر له اهتمام وباحث سألته عن شح المادة التاريخية والارشيفية عن هذه المنطقة المهمة التي كانت في يوم ما من أهم موانئ سفن الغوص والتجارة.
وفيها قلاع وحصون وبالتالي لابد انها تكتنز بالتاريخ، فأجابني للأسف، لا توجد معلومات كافية، الرجال الذين يحفظون تاريخ هذه المنطقة، ولديهم حكايا مهمة عنها غابوا عن الحياة.. للأسف لا يوجد.
صدمني، وكنت قد وجدت بعض المدونات على الشبكة العنكبوتية وفي مواقع محلية يدعي أصحابها اهتمامهم بالتاريخ والآثار، وهذه المدونات تقدم تعريفات ومعلومات تاريخية ليس لها سند.. عدت لصاحبي الباحث وسألته عن معلومة احتوتها مدونة عن الاسم الأصلي لتلك المنطقة محط البحث، فأجابني انه لا يستطيع الإثبات لكنها معلومة غير واضحة وليست صحيحة.. صدمت أيضاً، مثلما شعرت بالحزن، كيف لهذه المنطقة التي نهشها الاسمنت وطمرت أجزاء كبيرة منها مشاريع التطوير العمراني ان تذهب ويذهب تاريخها وتاريخ من عاشوا وسلجوا ذاكرة مهمة فيها ويتلاشى في الفضاء؟
كيف نقول لأبنائنا وأبناء أبنائنا انه كان يا مكان في قديم الزمان، هنا منطقة مهمة وميناء حافل بالتاريخ والرجال؟ واذا كان الأمر اليوم قد وصل إلى هذه الدرجة من اضمحلال المكان وذاكرته والمعلومات المهمة حوله، فعلى ماذا سيكون حالة بعد مئة سنة على الأقل؟
صدمت وأنا أقر في داخلي ان كثيرا من تاريخ التفاصيل في مدننا وقرانا ومناطقنا، الشيء الذي يسمى ذاكرة المكان، وحياة الناس، والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، تحول إلى جمل مختصرة فقط لا تغني ولا تسمن من جوع، ان تغيب أسماء وتغيب حياة أصيلة صنعها الرجال الأولون.. ان تبقى المدونات والمدونون يجترون حكايا وأحداثا تاريخية لا سند لها، ان يدلي بدلوه القاصي والداني في تفاصيل التاريخ..ان تسلب الأمكنة من ذاكرتها الحقيقية، وان تصبح معلومة بسيطة حول أصل اسم منطقة صغيرة أمراً في غاية الصعوبة..
ماذا نفعل؟ وماذا يفعل الباحث والمتطفل العلمي؟ في ظل وجود كتيبات سياحية مختصرة، ضعيفة وركيكة اللغة، عمومية وجملها فضفاضة تسلب من الأمكنة كنوزها الحقيقية؟
قال صاحبي الباحث.. يا أخي طالما ان البحاث محبوسين في وظائفهم الروتينية فلن ينجزوا شيئا، في الدول التي لها اهتمامات بالغة بهذه الأمور تفرغ بحاثها من اجل معلومة مهما كانت صغيرة!
