من يتتبع الحوارات التي أدلى بها السيد فاروق حسني وزير الثقافة المصري الخاسر في انتخابات رئاسة اليونسكو، سيجد أنها تدور بشكل كامل عن مؤامرات اللوبي الصهيوني، و«التربيطات» التي أحيكت ضده من قبل عدة دول كي يتم إفشال نجاحه في الجولة الثالثة، للحيلولة دون فوزه بالمنصب الدولي لأهم منظمة ثقافية على مستوى العالم.

والواقع أن تقبل الهزيمة أمام فوز البلغارية إيرينا بوكوفا كان صعبا وقاسيا، خاصة وأن الوزير المصري كان متقدما في جولتين، في حين جاءت الثالثة قاصمة للظهر ومحبطة لبرنامج الوزير وأحلامه في ترؤس منظمة اليونسكو. والمراقب لهذه الجولات الثلاث سيكتشف أن الوزير المصري كان يعد نفسه مرشحا للأمة العربية والإسلامية جمعاء، وأنه طائر السلام الذي يحمل في يده غصن الزيتون ملوحا بمزيد من التقارب بين الحضارات ومتطلعا لكثير من حوارات الأديان، إلى جانب برنامجه الذي أعده لإعادة هيكلة اليونسكو.

فهو ينظر إلى ترشحه بالمسؤولية الدقيقة والتي ينظر إليها كما جاء على لسانه تحديدا «دي مهمة صعبة جدا تحتاج إني أسافر وأترك البلد وأبدأ من أول وجديد، لأن المنظمة عايزه تتكنس من فوق لتحت لأن فيها مشاكل عديدة تحتاج إلى إصلاح، وأنا عايز أروح أجدد أحوال اليونسكو، وليس رغبة في المنصب وأنا ذاهب هناك للتحدي».

والمعروف أن المنظمة العالمية (اليونسكو) التي كان يترقب السيد فاروق حسني لكنسها وإعادة هيكلتها، تضم أكثر من 50 مكتبا وعدة معاهد تدريسية حول العالم، كما تعتمد خمسة برامج أساسية هي التربية والتعليم، والعلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والثقافة، والاتصالات والإعلام. وتدعم هذه المنظمة العديد من المشروعات، كمحو الأمية والتدريب التقني وبرامج تأهيل وتدريب المعلمين، وبرامج العلوم العالمية، والمشاريع الثقافية والتاريخية، واتفاقيات التعاون العالمي للحفاظ على الحضارة العالمية والتراث الطبيعي وحماية حقوق الإنسان.

فهي ليست بحاجه في حقيقة الأمر إلى كنس بقدر ما هي بحاجة إلى تفعيل والى مزيد من العمل والجهد والتنسيق، ولعل المطلع على برامج المنظمة سيكتشف أن هناك استراتيجية قائمة لن تتأثر بتغير منصب المدير العام ومستمرة حتى عام 2013، تم الاتفاق عليها من قبل الدول الأعضاء في العام 2008، وتتواصل في أداء مهامها حسب أولويات محددة ووفق أجندة زمنية، لذا لم يكن المطلوب من تغيير منصب المدير هو إحداث ثورة في النظام القائم للمنظمة ونسف الاستراتيجيات، وإنما كان حفظ استمرارية العمل بما يتناغم مع الأهداف المعلنة سلفا للمنظمة.

إن العقلية العربية التي ارتبطت طويلا بنظرية المؤامرة، وجعلتها المشجب الحقيقي لكل الأزمات والانتكاسات والهزائم، لم تستطع حتى اللحظة التخلص من هذا الإرث النفسي العقيم الذي يحبط كثيرا من النجاحات التي تمت والتي يمكن أن تتحقق في المستقبل.

فالعرب الذين وجدوا ضالتهم في فاروق حسني، بالرغم من معرفتهم بتعرضه لحملة صهيونية من قبل بعض الكتاب الذين سيّسوا قضية تصريحه بحرق الكتب الإسرائيلية إذا ما تواجدت في مكتبة الإسكندرية، هم أنفسهم الذين رفضوا التكتل وراء المرشحة المغربية عزيزة بناني، والتي كانت أقرب للفوز من السيد فاروق بحكم كونها سفيرة في المنظمة نفسها والأخبر بخباياها، كما حصلت بناني على عدة مناصب عليا ونافذة فيها، وعرفت بجدها ومهنيتها العالية التي أكسبتها احترام الجميع.

الخسارة المزدوجة لخروج العرب من رئاسة اليونسكو تحديدا، وخروجهم الدائم من لعبة المناصب الدولية، لا شك أنها ترتبط بالدرجة الأولى بعملية تسييس هذه الترشيحات، وعدم اختيار الشخص المرشح بعيدا عن لعبة الثقل والتوازن السياسي، لذا تنبأ بعض المثقفين الذين نظروا لعملية التصويت ب رؤية استشرافية متجردة إلى استحالة نجاح المرشح المصري، فالعملية كانت ولا تزال يحكمها سجل المرشح نفسه، وإسهاماته الثقافية الحقيقية بعيدا عن مناصبه الرسمية.

بل إن البعض يرى أن تراجع الحريات وزيادة الرقابة في عهده لن تؤهله للفوز، خاصة وأن منظمة اليونسكو تحاول النهوض بحرية التعبير وحرية الإعلام، باعتبار أنهما من مبادئ حقوق الإنسان الأساسية، وذلك عن طريق الاحتفال باليوم العالمي لحرية الإعلام في الثالث من مايو من كل سنة. ورغم أن الوزير المصري كان قد وضع محورا خاصا في برنامجه الانتخابي يدعم فيه حرية التعبير والإعلام الحر والمستقل والحقّ في الحصول على المعلومات، إلا أن هذا لم يكن ليشفع له في كسب مزيد من الأصوات، والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا بعد الخسارة؟

لعل فوز البلغارية بوكوفا قد ألهب مشاعر كثير من المثقفين وخاصة الأكثر تحمسا، للبحث عن أسباب أخرى للفشل وأصبحت القضية قضية شمال وجنوب، في حين أن من المهم أن نثني على نجاح هذه السيدة التي تحظى بمؤهلات استثنائية حقيقية جعلتها الأجدر.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com