خطاب الرئيس ديمترى مدفيديف في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد يكون خالياً من مواقف جديدة، ولم يعكس تغييرات في الموقف السياسي الروسي، وهنا بالضبط تكمن أهمية هذا الخطاب، الذي جدد تمسك موسكو بمواقفها.
فمازال الكرملين يؤكد أن المهمة الملحة الآن هي أن يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل. وقد شدد مدفيديف على أن روسيا بصفتها أحد أعضاء لجنة الوساطة الرباعية للتسوية في الشرق الأوسط تدعم باستمرار الجهود الرامية إلى تعزيز نظام منع انتشار الأسلحة النووية في هذه المنطقة، مشيرا إلى أن المطلوب أيضا موقف فعال من جانب جميع بلدان المنطقة ورغبة حقيقية بتحقيق هذا الهدف.
ولم يستبعد البعض أن تكون هذه الكلمات رسالة إلى الحكومة الإسرائيلية، ورد على طلبات رئيس هذه الحكومة نيتانياهو، والتي تقدم بها إلى موسكو خلال زيارته السرية الأخيرة.
اذ إن حكومات تل أبيب المتعاقبة مازالت ترى أن الملف الوحيد الجدير بالمناقشة مع موسكو هو الملف الإيراني، ومع اختلاف لهجة الطلب تصر إسرائيل على مطالبة روسيا بعدم تزويد إيران بأسلحة وإيقاف تعاونها النووي مع طهران. وكأن الحكومة الروسية حكومة قاصرة لا تعرف مصالح روسيا القومية، وستتراجع أمام الضغوط الإسرائيلية المتواصلة. وينسى حكام تل أبيب أن إسرائيل لديها صناعة نووية متطورة وترسانة أسلحة استراتيجية تهدد أم المنطقة، ولا يختلف موقف موسكو إزاءها عن توجهات روسيا تجاه امتلاك إيران لأسلحة نووية، ناهيك عن أن إيران وروسيا تربطهما معا علاقات اقتصادية وسياسية قوية للغاية.
وقد أعلنت الخارجية الروسية منذ أيام أن قرار الحكومة الإسرائيلية ببناء 455 وحدة سكنية إضافية في المستوطنات في الضفة الغربية يتعارض مع خطة «خارطة الطريق». وأضافت أن روسيا تطالب إسرائيل بتجميد القرارات التي تتعارض مع خطة «خارطة الطريق» وتتناقض مع رأي المجتمع الدولي الذي أقر بضرورة إيقاف النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويواجه مشروع عقد مؤتمر موسكو الدولي الخاص بتسوية أزمة الشرق الأوسط معارضة إسرائيلية صريحة، استنادا لفكرة أن هذا المؤتمر لن يقدم حلول جديدة، باعتبار انه لا توجد معطيات تبشر بإمكانية بدء حوار مثمر، وتنسى الحكومة الإسرائيلية أنها هي التي ترفض المبادرات الساعية لتهدئة الوضع في الشرق الأوسط. لاشك أن موسكو تدعم حق هذه الدولة في العيش في استقرار، إلا أن إحلال الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتم عبر الحروب والتشدد في مواجهة كافة المبادرات الرامية لتسوية الأزمة، وخاصة «خارطة الطريق» التي حظيت بتأيد دولي وعربي واسع، ولم يتحفظ عليها سوى الحكومة الإسرائيلية.
وعلى الرغم من أن بعض الأوساط الروسية ترى إمكانات واسعة للتعاون مع إسرائيل، بل وتعتقد أن إسرائيل قررت إيقاف الاتجاه نحو الولايات المتحدة وحدها وبدء البحث عن شريك إستراتيجي جديد يقدر على إعطاء تل أبيب الضمانات الأمنية المطلوبة، لذا فإن روسيا التي تحافظ على العلاقات مع العالم العربي هي أفضل خيار لإسرائيل الآن، خاصة في ظل العلاقات المتوترة بين إسرائيل وإدارة الرئيس أوباما في البيت الأبيض.
خاصة ان أكثر من مليون مهاجر يتوزعون بين الأحزاب الإسرائيلية التي تدافع عن مصالح المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق يمكن أن يكونوا من عناصر الضغط المؤثرة لصالح روسيا داخل المجتمع الإسرائيلي. إلا أن هذا التصور ليس صحيحا، لأن أغلبية المهاجرين تخلوا عن وطنهم بكامل إرادتهم، ومن لم يتمكن من الاندماج مع المجتمع الإسرائيلي عاد إلى روسيا خلال فترة الهجرة المعاكسة التي كانت خلال أعوام 2004 ـ 2006.
لذا يبدو واضحا أن الكريملين لا يتفق مع هذه الآراء، ومازال متماسكا بمواقف روسيا الداعية لإيجاد حل عادل وشامل يضمن للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية العيش معا في أمن واستقرار، ويضمن للفلسطينيين حقهم المشروع في إقامة دولتهم المستقلة على أراضيهم. وقد أكدت موسكو أنها تدعو لمؤتمر يناقش قضايا الحل الشامل على كافة المسارات، وليس مجرد لقاء لتسوية قضايا جزئية غالبا ما تكون هامشية، حتى يتحقق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
كاتبة روسية