طابور كبير من الخبرات الوطنية أحال التقاعد سفنها وأشرعتها إلى شواطئ الصمت والسكون، طابور ما زال فيه من تشتعل بهم جذوة العمل والعطاء، قرار حكومة دبي بالسماح لهذه الخبرات بالعودة خلف ترس آلة العمل يعني قبل كل شيء، توظيف الطاقة القصوى للطاقة البشرية التي بإمكانها خدمة ميدان العمل وخطوط الإنتاج، ويعني في عمقه أيضاً دفع التجربة والخبرة المختمرة بجانب الطليعية الممتطية فرس الطموح، فالطاقة الشابة الخلاقة إذا ما جاورتها الخبرة في نطاق عمل اكتمل النصاب وصارت الرؤى واضحة.. تلك السفن المحملة بخبرات السنين، آن لها ان تعود للإبحار، وكم نحن بحاجة إليها.

طابور من الخبرات التي يعطلها التقاعد يتحول بين ليلة وضحاها إلى ميدان العمل، هذا الانجاز المهم لا يوفر أيضاً الخبرة ويوظفها فقط، بل انه يسهم بشكل أو بآخر في تعديل أوضاع بحاجة ماسة إلى ان تذهب إلى الاعتدال في ظل ظواهر غير مستحبة، ومنها التوطين على رأس القائمة والذي ما زال مطلوباً باستحقاقات كثيرة في ظل التركيبة السكانية، واختلال سوق العمل بين المحلي والوافد، والنسب الضئيلة المقلقة، ومنها أيضاً إيقاف النزف جراء استيراد الخبرات وتوريدها، حينما توفر الخبرة الوطنية والمحلية شيئاً من البدائل، فطابور المتقاعدين لا يخلو من خبرات مؤسسة بالتجربة والأكاديمية، وبإمكانها تقديم عطاء ونتاج مهم، كثيراً ما يكلفنا الحصول عليه الكثير.

الطموح يكبر أيضاً مع هذا القرار الذي لا يمثل مكرمة للذين يستفيدون من نتائجه فقط، وإنما قرار تاريخي سيعالج بالتأكيد تلك الظواهر في قطاع العمل، بل يذهب بعيداً حينما يخلق حالة التوازن بين فكر الخبرة والفكر الطليعي الذي يتبنى التحديث والتطوير.. فعمليات التطوير والذهاب إلى التحديث يكون أكثر اتقاناً حينما تسنده أيضاً المعرفة القائمة على التجربة، من هنا يكون هذا القرار قد أصاب هدفه الحقيقي، إضافة إلى كونه يسهم في جعل حياة المتقاعدين أكثر فاعلية وبعيداً عن السكون والركود..

إذا ما تمعنا في ما يمكن ان نجده في طابور المتقاعدين والقادرين على العطاء، بالتأكيد سنلمح وجوه قيادات في مجالات متعددة من العمل، وسنلمح خبرات مختلفة ومتنوعة وأخرى نادرة ومتفردة، زادتها سنوات العمل والتأمل والاختبار في الميدان معرفة وحصافة وعلم.. نتحسر عليها في ساحة السكون، ونفرح بها في ساحة العمل.

بلادنا يطوقها الطموح في الريادة قلادة يشهد لها القاصي والداني، وهذا الطموح حري به ان تتجند له جميع الخبرات الوطنية، وبتهيئة الظروف المثالية لفوائد مثل هذا القرار الاستراتيجي يصبح من الضروري النظر بدقة إلى آلية الاستفادة من طابور الخبرات المتقاعدة الاستفادة المثلى، فهؤلاء الذين يسمح لهم القرار بالعودة إلى العمل، هم في الحقيقة يحتاجون إلى ظروف عمل تناسب أوضاعهم وتستوعب خبراتهم، فلا يمكن ان يكونوا على الهامش، ولا يمكن تحويل القرار مجرد عون على تحسين ظروف معيشتهم، بل توظيف خبراتهم والاستفادة منها.. وهو الأمل الذي ننشده في الهيئات والمؤسسات التي ستقرر استيعابهم.

mhalyan@albayan.ae