صحيح أننا لا نقبل بكل ما يقال ولا نصدق إلا بما يعقل، وكذلك الأمر بما نرى ونقرأ ونسمع... غير أن كلمة الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي كانت صفعة موجعة لهيئة الأمم المتحدة.
هذا الرجل، أجمل ما فيه خطبه (العصماء)! فهو ما زال ينتمي لمدارس الخطب المثيرة التي ينتمي إليها عبد الناصر وخروتشوف وتشرشل وحسن نصر الله بحيث أنه رغم اختلافك معهم في الرأي والمبدأ والسياسة فإنك لا تستطيع أن تقاوم سماع خطبهم كلمة كلمة. فكم مرة غلبنا النعاس ونحن نستمع إلى خطب زعماء مهمين آخرين، لا لشيء سوى أنهم اعتمدوا الأسلوب الممل.
غير أن الكلمة من العيار الثقيل التي رمى بها العقيد القذافي الأسبوع الماضي في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك كانت ـ كعادته ـ مضحكة مبكية مخزية قالبة الدنيا رأسا على عقب أمام زعماء العالم، بعد أربعين سنة من آخر خطاب ألقاه من على نفس المنصة. وأي كان من ألقى تلك الكلمة، إلا أن محتواها يحمل عدة رموز، بأسلوب لم يجرؤ أحد من العالم الثالث ولا حتى من العالم الثاني بالتفوه بمثله أمام القوى العظمى. بيد أنه يبدو أن الأمور قد تبدلت بعد بروز نجم الرئيس الأميركي باراك أوباما على الساحة الدولية.
إن المسألة الأولى التي أشار إليها العقيد تتعلق بدور الجمعية العمومية وتشكيل مجلس الأمن، الذي وصفه بمجلس (الرعب) و(الإرهاب). وطالما طرح التساؤل عن دور هذا المجلس في حل القضايا الدولية العالقة منذ أكثر من 60 سنة وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني الذي ظلت الصهيونية باسم اليهود ودولة إسرائيل تعمل فيهم سيوفها حتى هذه اللحظة.
ترى كم مرة صوت مجلس الأمن لصالح الدول المستضعفة؟ وكيف صوت هذا المجلس الموقر على قرار غزو واحتلال دولة بحجم العراق وتدميرها عن بكرة أبيها لمجرد هدف واحد: تغيير رئيسها (أو بالأحرى لنهب خيراتها النفطية)؟ ولماذا لم يتخذ مثل هذا القرار ضد الولايات المتحدة الأميركية نفسها التي ارتكبت المجازر والمذابح في فيتنام واليابان وأفغانستان ولبنان وفلسطين وأقامت أبشع المعتقلات السياسية والعسكرية في التاريخ كالذي في غوانتانامو؟
وهناك أمثلة لا حصر لها على مخالفات ارتكبها رؤساء دول في العالم ـ سواء ضد شعوبهم أو ضد جيرانهم من الدول ـ تركوا يفعلون ما يشاءون دون أدنى مساءلة أو محاسبة؟ ولماذا لا يمنح حق الفيتو لدول أخرى أو لاتحادات كبرى غير الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن؟ ومن الذي ولماذا حصر هذا الحق في يد مجموعة محددة من الدول الأوروبية والمسيحية وحرم مليار ونصف مليار مسلم في شتى أنحاء العالم من هذا الحق الذي يمسهم أكثر من غيرهم؟
بمعنى آخر، إن مجلس الأمن تحكمه مصالح الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الغنية والصناعية وهي التي تفرض وتنفذ قراراته طوعا أو كرها بما يخدم أهدافها وهو بالتالي في حاجة لإعادة النظر في دوره، أو كما اقترح العقيد أن يقوم بدوره الأساسي وهو تنفيذ توصيات وقرارات الجمعية العمومية، لا أكثر.
ومسألة أخرى تمس بشكل خطير جدا أسلوب هيئة الأمم المتحدة في تبني القرارات السريعة والعاجلة التي فضحت بأنها تكيل بمكيالين تحت ضغوط الولايات المتحدة الأميركية وباقي الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا.
وحرب لبنان عام 2006 خير شاهد على ذلك، حين رفض مجلس الأمن لعدة مرات متتالية إصدار قرار إيقاف الحرب بعد أن طالت المدنيين وأتت على الأخضر واليابس وتجاوزت فيها آلة الحرب الإسرائيلية كل الخطوط الحمر التي نصت عليها الاتفاقات الدولية الأخلاقية والتشريعات السماوية في القتال. وفجأة استعجل القرار بعد أن تبين أن كفة الحرب بدأت ترجح إعلاميا وعلى أرض الواقع لصالح حزب الله وأصبحت جيوش الدولة العبرية جنودا وطائرات ودبابات مجنزرة لقمة سائغة لصواريخ وقناصة المقاومة.
وإذا جئنا لقضية السلاح النووي، فإن الأمر ليس بأقل ظلما وعدوانية من طرف الدول التي روجت لنفسها إعلاميا لقب (الدول العظمى) لإرهاب العالم الجائع. فما يحق لها لا يحق لغيرها إذا ما تهددت مصالحها الاستراتيجية. فكيف يحق لإسرائيل وهي بحجم كفة اليد أن تمتلك من الأسلحة النووية ما يكفي لتدمير العالم بأكمله، بينما لا يسمح لدولة مثل إيران بامتلاكه حتى ولو كان لأغراض سلمية؟ (مع أننا ضد امتلاك إيران أو أي دولة أخرى للسلاح النووي الذي قد يدفع إلى التسابق على التسلح النووي في المنطقة).
أين مجلس الأمن عن الدول (العظمى) التي تدفن وتلقي بنفاياتها السامة في تربة الدول الفقيرة وفي بحارها وأنهارها دون حسيب أو رقيب؟
إن هيئة الأمم المتحدة وجدت لإحلال السلام والعدل والمساواة والحرية في العالم. ولا نجد أن هذه المنظمة قامت بما يجب عليها سوى تأمين مصالح الدول الكبرى بشتى الوسائل. فهناك قضايا البيئة والتلوث والاحتباس الحراري والأمراض المنتشرة والفقر الذي بدأت تتسع دائرته في العالم والأمية وازدياد الصدامات الطائفية والدينية والعرقية بين الشعوب، وكلها مسائل مستعجلة لا تحتمل التأخير، فالعالم بأكمله مهدد بالكوارث الطبيعية والبيئية بسبب الأبخرة السامة التي تنفثها المصانع الغربية في فضاء الكرة الأرضية.
وهناك نسبة أمية مخيفة ومتزايدة في العالم بسبب الفقر، ونسبة فقر أفظع من ذلك، وأمراض وأوبئة متصاعدة لا علاج لها سوى الموت، وأزمات اقتصادية هزت العالم وشردت الملايين في الشوارع وحرمتهم من وظائفهم ولقمة العيش، بينما مجلس الأمن مشغول حتى هذه اللحظة بالبحث في كومة قش عمن قتل الرئيس رفيق الحريري أو عن مجموعة من القراصنة الصوماليين الذين هلكوا من الجوع ويبحثون عن قطعة خبز في جوف السفن المحملة بشتى أنواع المواد الغذائية التي تعبر مياههم الإقليمية والملوثة له!
لقد ألقى معمر القذافي كلمته بكل جرأة ودون خوف ـ وهو بالتالي أمام العالم محسوب على العرب ـ وخرج عن المألوف في مثل هذه المناسبات، إلا أنها مجرد فاصلة في تاريخ الأمم المتحدة سوف تتكرر، حيث ان العالم الثالث بدأ يتحرك على الأقل كلاما وخطبا وجرأة (نذكر على سبيل التذكير خطب الرئيس الإيراني)، وليت العالم الثالث يبدأ بتصحيح بيته ونفسه قبل الذهاب بعيداً....
جامعة الإمارات