يبدو أن التحرك الأميركي في اتجاه إحياء عملية سلام الشرق الأوسط قد دخلت انعطافة جديدة بعد اللقاء الثلاثي الذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر الجاري.
فبالرغم من أن كل الأطراف المعنية، الإدارة الأميركية، وإسرائيل والفلسطينيين خفضوا توقعاتهم من اللقاء، قبل انعقاده، وبالرغم من أنه لم يصدر عن اللقاء أية تفاهمات، أو نتائج ملموسة ومحددة، إلا أن أهميته لم تتوقف عند حدود وقوعه، وإنما أيضاً بما تم إعلانه من قبل الرئيس أوباما، ومبعوثه لعملية السلام جورج ميتشل بعد اللقاء.
وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الذي يزور واشنطن بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللقاء الثلاثي، اعتبر أن اللقاء الرئاسي جاء كسراً للجمود، ذلك أن الرئيس الفلسطيني لم يلتق رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو منذ توليه رئاسة الحكومة.
في الواقع وبالرغم من التصريحات المتشائمة التي رافقت جولة ميتشل الأخيرة إلى المنطقة قبل عطلة عيد الفطر، والتي وصفتها بالفشل، مما أدى إلى التشكيك في إمكانية وجدوى انعقاد اللقاء الثلاثي، نقول بالرغم من ذلك، إلا أن الصحافة الإسرائيلية سرَّبت أنباء عن استعداد نتانياهو لتجميد الاستيطان.
إذا كان ذلك صحيحاً فإن جولات ميتشل لم تذهب سدى، وهو لم يصل إلى نقطة الفشل، ومن غير المتوقع أن تسلم إدارة أوباما بالفشل، ذلك أن نتائج مثل هذا الفشل السياسي، ستكون صعبة وسلبية جداً على الإدارة الأميركية، وعلى مستقبل أوباما الذي يطمح في ولاية رئاسية ثانية، خصوصاً بعد الفشل العسكري والسياسي الذريع في العراق وأفغانستان وفي ضوء تداعيات الأزمة الاقتصادية.
يدرك المستشار السابق للأمن القومي الأميركي بريجنسكي أبعاد الفشل ولذلك فإنه يوجه رسالة للرئيس الأميركي بضرورة إصدار تحذير جدي لإسرائيل. ولكن هل ستجد الإدارة الأميركية نفسها أمام ضرورة إصدار مثل هذا التحذير الجدي، أو ممارسة ضغوطات مؤثرة على إسرائيل؟ هذا الأمر يمكن أن يحصل في حال كان الوضع الفلسطيني والعربي متماسكاً وقوياً، وثابتاً عند مواقفه وحقوقه، والحال ليس كذلك، فبسبب الانقسام الفلسطيني، وبسبب تشتت المواقف والسياسات العربية، ومحدودية الخيارات، من الطبيعي أن يذهب الضغط الأميركي لتسهيل إحياء عملية السلام إلى الطرف الضعيف.
هذا ما يحصل فعلياً، إذ من غير المعقول أن تطالب الإدارة الأميركية العرب بتطبيع علاقاتهم بإسرائيل مقابل تجميد الاستيطان، فعدا عن أن الاستيطان وفق القانون الدولي غير شرعي وغير قانوني ومخالف لقرارات الأمم المتحدة، فإن الحديث يدور عن تجميد مؤقت، وجزئي بمعنى أنه يستثني القدس التي يقول عنها نتانياهو إنها ليست مستوطنة، وجزئي لأنه لا يشمل نحو ثلاثة آلاف وحدة سكنية تقول الحكومة الإسرائيلية إنها ستقام بناء لقرارات ومخططات سابقة.
ليس هذا وحسب بل إن تجميد الاستيطان ينبغي أن يكون استحقاقا بدون مقابل، إذا كان الأمر يتصل بخارطة الطريق، وحيث إنه البند الأول في الاستحقاقات المترتبة على الجانب الإسرائيلي، مقابل تنفيذ الجانب الفلسطيني لما نصت عليه خارطة الطريق من استحقاقات.
اللقاء الرئاسي الثلاثي جاء ليعلن عن تجديد وتسريع الجهد الأميركي، ولكنه أيضاً جاء ليؤشر إلى تراجع في الموقفين الأميركي والفلسطيني أمام التعنت الإسرائيلي. منطقياً يفترض أن أوباما يعكس موقفاً حازماً في مواجهة التعنت الإسرائيلي، غير أنه بدلاً من تحميل إسرائيل مسؤولية التعطيل وبدلاً من التشديد على ضرورة التجميد الكامل للاستيطان، دعا إسرائيل إلى مجرد ضبط النشاطات الإسرائيلية، ثم أنه وضع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على مستوى واحد حين طالبهما بتسريع المفاوضات، وحين طالب العرب باتخاذ إجراءات تجاه إسرائيل تشجع على دفع العملية السلمية.
حضور الرئيس محمود عباس اللقاء الثلاثي، يشكل بحد ذاته ترجعاً إذ أنه كان قد صرح بأن هذا اللقاء لن ينعقد ما لم تعلن إسرائيل عن تجميد الاستيطان، ذلك أنه بعد اللقاء، صرح بأن المفاوضات لن تستأنف إذا لم يتم تجميد الاستيطان، وتحديد مرجعية واضحة للمفاوضات.
إذا حاولنا استشراف الأسابيع القليلة المقبلة، فإننا نعتقد بأن الأميركيين سيحاولون توليف تخريجة لهذه التقاطعات، تسمح بتحقيق انعطافة، ومن ضمن ذلك، استدراج الطرفين إلى المفاوضات بشكل غير مباشر بداية ثم بشكل مباشر لاحقاً. فبعد كسر الجليد عبر لقاء القمة الثلاثية، يعود جورج ميتشل إلى المنطقة، لكي يمهد للقاءات في واشنطن لكسر الجمود على مستوى الوفود المفاوضة من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
المشهد الفلسطيني في هذا الإطار يبدو أكثر من محزن، فالانقسام يضعف الطرفين المفاوض والمقاوم، بل يضعف الكل الفلسطيني، والسؤال هل كان من المتوقع، أن يرفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس تلبية الدعوة التي وجهها له الرئيس الأميركي أوباما لحضور القمة الثلاثية؟
قبل القمة الثلاثية وأثناءها وبعدها لم تدخر الفصائل الفلسطينية الرئيسية من حماس إلى الجبهة الشعبية، والديمقراطية والجهاد الإسلامي، لم تدخر وسعاً في إعلان رفضها للقمة، والتحذير من مخاطرها، فيما ذهبت حماس إلى ما هو أبعد حين أعلنت أن السلطة لا يمكنها الادعاء بتمثيل الفلسطينيين، وإن أحداً لا يستطيع وغير مخول بتوقيع أي اتفاق باسم الفلسطينيين. لرأب الصدع الفلسطيني، ستقوم القاهرة هذا الأسبوع بدعوة الفصائل إلى جولة يقال إنها الأخيرة للحوار والاتفاق، فإما أن يرمم الفلسطينيون أوضاعهم أو أنهم يخضعون إلى المزيد من الضغط والابتزاز وتقديم المزيد من التراجعات.
واستتباعاً فإن تماسك وقوة الموقف العربي، مرهون بدوره بمآلات الوضع الفلسطيني، فاستعادة الفلسطينيين لوحدتهم، ستشكل أساساً ودافعاً لتماسك الموقف العربي، أما استمرار الانقسام والصراع فإنه سيوفر للعرب المتحمسين أو المستجيبين لدعوات التطبيع لكي يفعلوا ذلك دون أن يلتفتوا إلى الخلف. إن استمرار الانقسام الفلسطيني، وتشرذم الموقف العربي يشجع إسرائيل على مواصلة سياسة الابتزاز، ويشجع الولايات المتحدة على مواصلة الضغط على الفلسطينيين والعرب.
