أذكر أنني في فصل الشتاء المنصرم، قضيت ليلة جميلة في الصحراء مع مجموعة من الأصدقاء. كان بعضهم يلعب الورق - أو ما يسمّى بالبلوت- وكان أحد الحضور يتحدّث عن (مزايد) الأغنام، وكيف أنّهم يهتمّون بالنعجة التي يشترونها بآلاف الدراهم والريالات، وذكر فيما ذكر، أنه يقوم بقطع آذان تلك الأغنام ثم يقوم بوسمها بقضيب حامٍ ليتوقف الدم عن النزف، وذلك حتى يحسُن شكلها ويرتفع سعرها في مسابقات جمال الأغنام.
فقال له أحد الحضور بأن ذلك حرام، وذكر قول الله تعالى على لسان إبليس: «ولأمرنّهم فليُبتّكنّ آذان الأنعام». فرد عليه بأن أحد المشايخ المعروفين قد أفتى بجواز ذلك، فقال له الأوّل: «أقول لك إن الله تعالى يقول كذا، وتقول لي إن الشيخ فلان قال كذا! وهل سمعت فتواه بأذنك؟» فرد بأنه سمع عنها في إحدى المجالس، فقال الأوّل: إذا كان قد قال ذلك فقد أخطأ.
لم يكد يكمل جملته حتى تمعّر وجه صاحب الأغنام، الذي لم يكن متديناً، وبدأ يسبّ صديقنا الأول حتى كاد يتّهمه بالكفر، لأنه خطّأ صاحب الفتوى، ثم رمى أوراق اللعب وركب سيارته وانطلق وهو غاضب.
يذكر لنا التاريخ أن الفلسفة كانت في أبراج عاجية منذ عصر اليونان وحتى مجيء عالم الاجتماع المسلم (ابن خلدون) الذي على الرغم من انتقاده للفلسفة والفلاسفة، شأنه في ذلك شأن الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية ؟ رحمة الله عليهم جميعا ؟ إلا أنّه كان أول من درس البنية الاجتماعية للمجتمعات، واهتم بتبيان صفاتها وتوضيح مللها ومؤثراتها الداخلية والخارجية، ثم حلل تلك المشاهدات والظواهر الاجتماعية ووصفها في مقدمته الشهيرة، مقدمة ابن خلدون، التي أعتبرها عملاً فلسفياً راقياً.
لقد انتقد ابن خلدون (الفلاسفة الوعّاظ) الذين تحول سعيهم في إرشاد المجتمع، إلى خطب وعظية لا تفيد المجتمع بل تضرّه في أحيان كثيرة من حيث أنها تخاطب المشاعر والعواطف فقط. ثم إنها أضعفت العلاقة بين (المصلح) والمتلقي، فهذا الأخير قد سئم سماع كلام لا يمت لقضاياه وأسئلته الملحة بصلة. ولقد كان بعض الفلاسفة يسعون لهداية المجتمع دون أن يبحثوا في مشكلاته، وتركيبته، وصفاته التي تختلف كثيراً عن مجتمعات أخرى، حتى وإن كانت في نفس الزمان ولكن في مكان آخر، ناهيك عن البون الشاسع بينها وبين مجتمعات في أزمنة سابقة.
لقد أحدث ابن خلدون نقلة نوعية في مفهوم الفلسفة، وظلّ هذا المفهوم الذي سميّ لاحقاً (بعلم الاجتماع) يدرّس لثلاثمئة عام في المدارس الأوروبية، وتأثر به فلاسفة الغرب الذين أتت فلسفتهم المتأخرة ؟ تاريخياً ؟ قريبة من حاجات المجتمع وتطلعاته، وأصبحت أهميّتها لأفراد المجتمع، كأهميّة الفحم للقطارات البخارية إبّان عصر الصناعة.
يتابع كثير منا الوعّاظ الذين تزخر بهم شاشات التلفاز وإذاعات الراديو، والوعظ هو سنّة بشرية، دأب عليها الناس منذ قديم الأزل. فالواعظ يدعو إلى الخير دائماً، ويسعى لإصلاح المجتمع. إلا أن مشكلتنا ليست مع فكرة الوعظ، وليست مع الوعّاظ الأفاضل، ولكنها مع طريقة الوعظ. فبعض الوعّاظ اليوم يبتعدون عن تشخيص مشكلات المجتمع، وفهم صفاته وأدبياته التي قد تختلف كثيراً عن المجتمعات الأخرى. فتجد بعضهم يقول في الشرق ما يقوله في الغرب، ويتحدث في مواضيع متخصصة تتجاوز خبراته وتخصصه، فيتحول الوعظ، من وسيلة إنسانية نبيلة، إلى تفنن في الخطب، وإغراق في البلاغة وفي ديباجة الكلام وحشوه بالسجع والطباق وفنون اللغة الأخرى، كما حدث في زمن بعض الفلاسفة القدماء، مع اختلافهم في عمق الطرح، واتفاقهم في طريقته.
والنتيجة، هي تسطيح عقول المتلقين الذين يُقيل بعضهم عقله وفكره، ويحل قلبه وعاطفته محل الأوّل، كالذي يضع السيف في موضع الرحمة، ويضع الرحمة في موضع السيف. إن صديقي صاحب النعجة هو أحد تلك النتاجات المسطّحة، ولا ألومه، فهو عندما يستمع إلى واعظ ما فإنه يقوم بذلك بهدف استحضار السكينة والرحمة، وليس بهدف الانتفاع مما يقال، فهو يحفظ تقريباً كل ما قيل، ويتنبأ من أول الجملة بآخرها، وبالتالي، خرج لنا جيل تحرّكه العواطف وتملي عليه الانفعالات ما يفعل وما يقول. حيث يحصر بعض الوعاظ الحياة على أنها صراع بين الخير والشر، ويغفلون أنها، إلى جانب ذلك، عمل وإتقان، بحث ومعرفة، أدب وعلم، وإنتاج واقتصاد.
سعدت كثيراً بمتابعة الدكتور سلمان العودة في برنامج حجر الزاوية الذي بث في رمضان، ولكن آلمني أن الناس كانوا يتّصلون به ليسألوه عن بعض أحكام الوضوء أو آداب الصيام، وهو يتحدث حول ظواهر اجتماعية مهمّة، ويطرح مواضيع فكرية مفصلية أغفلتها الأمة منذ زمن. أجزم أن بعض المشاهدين لم يستوعب ما قاله الدكتور سلمان، فحياتهم محصورة في الممارسات اليومية البسيطة، حيث تركوا القضايا الإنسانية والفكرية والحضارية الكبرى لغيرهم من المجتمعات المتقدمة ليبحثوا ويفتوا فيها، ثمّ يتصل شخص في آخر الحلقة ويسأل: «يا شيخ، كيف تعود للأمة مكانتها» فيرد الشيخ بابتسامة منكسرة، وكأنه يستشهد بقول المعرّي:
ألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعِلُ
عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ
نريد من الوعّاظ أن يساعدوا أفراد المجتمع على تلمّس الطريق الصحيح للخروج من عصرنا المظلم هذا، ولا نعني ظلمة الذنوب فقط، ولكن ظلمة العقول التي رُكنت على الرفوف وتراكم عليها الغبار والأتربة. لا أريد أن أقول بأننا نريد من الوعّاظ أن يكونوا مثل سلمان العودة حتى لا يؤخذ هذا الكلام وكأنه دعاية للشيخ، ولكننا نريدهم، بصدق، أن يدفعوا بالناس للتفكير والتساؤل والنقاش والحوار، ونريد من بعض الوعّاظ أن ينزلوا إلى المجتمع، ولا نعني بذلك زيارتهم للمجالس وإلقاء المحاضرات في الأندية والمراكز الثقافية فقط.
ولكن نريدهم أولاً أن يتخصصوا كلّ في المجال الذي يناسبه، ثم نريدهم أن يُجروا أبحاثاً ودراسات وإحصائيات ويطّلعوا على تجارب العالم من حولهم، ويربطوا كل ذلك بديننا الحنيف وبتعاليمه السمحة حتى ينتجوا لنا جيلاً، وسطياً، متفتّحاً، عالمياً، لا يخشى من العلم بقدر ما يخشى من الجهل، يقول الماوردي:
وفي الجهل قبل الموتِ موتٌ لأهلهِ
فأجسادُهمْ دونَ القبورِ قبورُ
وإنّ امرأ لم يحيَ بالعلم صدرُهُ
فليس له حتى النشورِ نشورُ