مرّ التقرير الخامس للتنمية الإنسانية العربية (2009) الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مروراً سريعاً دون أن يشغل بال أحد، باستثناء بعض الأخبار المختصرة و(المبتسرة) عن التقرير في بعض وسائل الإعلام العربية، أما الجهات التي من المفروض أن (ترتعد فرائصها) مما جاء فيه، و(تستنفر) مؤسساتها وإمكانياتها لدراسته وتبني مقترحاته، وأعني بها الحكومات والأحزاب العربية ومنظمات المجتمع المدني المعنية فإنها ـ رغم مسؤوليتها الجسيمة تجاهه ـ لم تهتم به ولم تتحرك شعرة في (مفرقها).

وكأنه يصف حال مجتمعات أخرى لا دخل لها فيها، أو يلمح إلى مستقبل بشر آخرين غير بشرها، أو كأن التقرير عدة أوراق فائضة عن الحاجة، لا تستحق القراءة والدراسة والتبصر، بينما من المفروض، حسب أي عرف سياسي أو أخلاقي، أن تبادر إلى وضع برامج شاملة ومتعددة الجوانب قصيرة الأمد وطويلته، لمعالجة ما في التقرير قبل أن تتفاقم الصعوبات التي يشير إليها وتتحول إلى أزمات يصعب حلها.

التقرير طويل، ويتناول عدداً كبيراً من الصعوبات والثغرات التي يواجهها العرب حالياً، والمخاطر المحتملة على تطورهم المقبل،ويرصد منها مشكلتين: أولاهما قضية نقص المياه في البلدان العربية وتهديد التصحر لأراضيها وثانيهما مشكلة نقص فرص العمل وتفاقم نسبة البطالة والفقر المدقع حالياً ومستقبلاً.

يملك العرب (43%) من مصادر مياههم، بينما تسيطر دول أخرى على (57%) من هذه المصادر، وهذا يجعلهم الآن وفي المستقبل بحاجة كبيرة إلى المياه، لشح المياه في البلاد العربية، ولعدم وضوح الاتفاقات الدولية مع الدول التي تسيطر على مصادر المياه العربية، وعدم استقرار هذه الاتفاقيات وثباتها، ووجود احتمالات دائمة في تغيير هذه الدول مواقفها، وتقنين ما تسمح بمروره من المياه للبلاد العربية، مما يؤدي إلى الفاقة بالمياه، سواء منها المخصصة للري أم للشرب، أم للاستخدامات الصناعية الأخرى.

وتنبغي الإشارة هنا إلى اتفاقية تقاسم مياه النيل بين دول حوضه وبين مصر والسودان، التي رغم وضوحها فإن بعض حكومات دول الحوض، رغم عدم حاجتها للمياه، بدأت تتململ وتتحدث عن تعديل الاتفاقيات، وتجد من دول العالم الكبرى والفعالة من يدعمها للتملص مما قبلته سابقاً، ولا يمكن استبعاد هذا الهدف عن غايات جولة أفيغيدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلية في الشهر الماضي لبعض دول الحوض، وتوقيعه اتفاقيات معها في مجال توليد الطاقة من المياه أو ما يشبه ذلك.

ومن طرف آخر، مازالت الحكومة التركية الصديقة ترفض حتى الآن اعتبار نهري دجلة والفرات نهرين دوليين يتوجب للعراق وسورية حق بهما، بل تعتبرهما نهرين تركيين محليين، وما تعطيه من مياههما للبلدين الجارين هو نوع من أنواع الصدقة. كما أن هذا الخلل في السيطرة على مصادر المياه يتطلب من البلدان العربية أن تبدأ فوراً (وكلمة فوراً هنا ليست للمبالغة) في البحث عن مصادر محلية جديدة للمياه، كالبدء بإقامة منشآت لتحلية ماء البحر، أو استكمال البحث لمعرفة حجم المياه الجوفية وإمكانية استثمارها، وطرق هذا الاستثمار.

ورصد الأموال والمستلزمات الأخرى لتحقيق هذا الهدف، في الوقت الذي تطبق فيه بحزم وصرامة سياسة ترشيد استهلاك المياه، وإلغاء الري بالراحة، وغيرها من التدابير العلمية والتقنية، وذلك لرفع نسبة مصادر المياه المحلية، وتوفير استهلاكها، وإلا فإن التصحر يهدد الأراضي العربية التي تصحر منها حتى الآن (87,2) مليون كم2 أي خمسة أضعاف مساحة فرنسا التي يعيش فيها حوالي ستين مليوناً.

أما الخطر الآخر القائم ـ حسب التقرير ـ والذي سوف يتفاقم مع الزمن فهو مشكلة العمالة والبطالة في الوطن العربي، حيث يقول التقرير أن النسبة العامة للعاطلين عن العمل الآن في البلدان العربية بلغت 4,14% وجميعهم بلا ضمان اجتماعي أو دخل، أي يواجهون الجوع، وأن العرب سيحتاجون عام (2020) إلى (51) مليون فرصة عمل، بالنظر لنسبة زيادة السكان المرتفعة، فإذا كانت البلاد تضيق بأهلها الآن ولا تجد فرص عمل للعاطلين.

ولا نرى في المدى المنظور احتمال قيام مؤسسات صناعية أو زراعية أو أية مؤسسات من شأنها امتصاص اليد العاملة العاطلة عن العمل، فكيف يمكن إذن إيجاد مثل هذه الفرص المطلوبة خلال عقد واحد؟. ويعني هذا أن نسبة البطالة في البلدان العربية ستبلغ أرقاماً غير معهودة، فإذا كان عدد العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع (وليس خط الفقر العادي) يبلغ (35) مليون نسمة الآن، فكم سيبلغ بعد عقد؟.

مع الإشارة إلى أن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر العادي هي ضعف نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع، وهكذا فإن عدد هؤلاء يبلغ الآن، سبعين مليون عربي، وسيبلغ مئة مليون فقير بعد عقد، يضافون إلى مئة مليون أمي، ويعلم الله وحده حجم المخاطر الناجمة عن ذلك.