من الواضح أن هناك اهتماما غير عادي من قبل الكرملين والحكومة الروسية بالمسلمين في روسيا، وهذا أمر طبيعي، حيث يشغل المسلمون الروس ما يقرب من عشرين في المئة من تعداد السكان في روسيا، هذا إلى جانب أن الجمهوريات الجنوبية الروسية التي تسكنها أغلبية مسلمة أصبحت مستهدفة من الجماعات المتطرفة والجهات الإرهابية التي تستهدف أمن روسيا عموما، ولهذا تبدي الحكومة الروسية اهتماما كبيرا بالمسلمين أكثر من غيرهم من الطوائف الدينية الأخرى وهي كثيرة في روسيا مثل اليهود والبوذيين والمسيحيين الكاثوليك وغيرهم.

أما الكنيسة الأرثذوكسية الروسية التي ينتمي لها أكثر من 70% من الشعب الروسي فهي ليست فقط تؤيد سياسة الحكومة الروسية في الاهتمام بالمسلمين بل تولي من جانبها اهتماما خاصا بالمسلمين يجعل الطوائف الدينية الأخرى توجه لها الانتقادات وتتهمها بمحاباة المسلمين.

وقد التقى راعي الكنيسة الأرثذوكسية الروسية البطريرك كيريل في سبتمبر الجاري رؤساء البعثات الدبلوماسية للدول العربية. واجتمع الدبلوماسيون في القاعة الحمراء المبنية على الطراز الروسي القديم في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو، حضر اللقاء ممثلو البلدان التي توجد فيها كنائس مسيحية قديمة مثل (سوريا ولبنان ومصر والأردن) وأيضا البلدان التي خصصت فيها مؤقتا أحياء سكنية لمعتنقي هذه الديانة القادمين من الغرب أو من روسيا. كما حضر اللقاء أيضا ممثل السودان، حيث تدور رحى حرب دموية بين المسلمين والمسيحيين.

وحدد البطريرك كيريل الفكرة التي يمكنها ربط روسيا بالعالم العربي بأنها الوقوف بوجه العولمة الغربية على أساس الالتزام بالثقافة والتقاليد الدينية. وهذه النزعة المحافظة الصحية تجعل الروس والعرب «حلفاء طبيعيين» أمام تحديات الغرب.

وأضاف البطريرك كيريل قائلا ان هناك قيما تجمع بين روسيا والأقطار العربية ووصفها بأنها «الاستعداد للتضحية بالنفس» من اجل العقيدة. ودار النقاش حول سؤال مهم هو، كيف يمكن تحديد الحد عندما تتحول التضحية بالنفس «من اجل الغير» الى تعصب فتاك يحمل الموت باسم العقيدة الدينية؟

ويأتي هذا اللقاء في إطار التحضير للجولة التي سيقوم بها البطريرك كيريل قريبا في منطقة الشرق الأوسط، ويأمل البطريرك ان يلتقي خلال جولته القادمة في المشرق العربي ورؤساء مصر وسوريا ولبنان والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية.

وجدير بالذكر أن الكنيسة الأرثذوكسية الروسية في عهد البطريرك الراحل أليكسي الثاني الذي توفي في العام الماضي كانت قد عبرت صراحة عن موقفها إزاء الصراع العربي الإسرائيلي ودعمها للشعب الفلسطيني، وذلك عندما وجه أليكسي الثاني الدعوة لقادة حركة حماس أثناء زيارتهم لروسيا عام 2006 في وقت كانت تواجه فيه حماس مقاطعة واضحة من معظم دول العالم بما فيهم دول عربية كبيرة، والتقى البطريرك أليكسي بقادة حماس في مقره الرسمي في الكنيسة الروسية، وكان لقاء حارا أحدث امتعاضا واستنكارا كبيرا لدى دوائر سياسية ودينية كثيرة، خاصة الدوائر اليهودية في روسيا.

وكما يظهر فإن الطوائف الارثذوكسية القديمة تنظر بتخوف الى محاولات الكنيسة الارثذوكسية الروسية للتدخل في شؤونهم. فمثلا هناك مقاومة فعلية من جانب كنيسة انطاكية وكنيسة القدس للجمعية الارثذوكسية الفلسطينية الامبراطورية، التي تحاول بعث نشاط الفرق التبشيرية في البلدان العربية في النطاق الذي كانت عليه قبل الثورة. ويعتبر العرب واليونانيون في الشرق الأوسط في نشاط الجمعية الارثذوكسية الفلسطينية الامبراطورية القريبة من السلطات الروسية ورجال الاعمال الروس الكبار بأنه محاولة روسية للتوسع سياسيا في المنطقة تحت غطاء الكنيسة الارثذوكسية الروسية.

وقد صرح البطريرك الحالي كيريل أنه لا يعتزم في اثناء زيارته المقبلة إلى القدس لقاء ممثلي السلطة الإسرائيلية، مشيرا بذلك إلى عدم اعترافه بسيادة هذه الدولة على الحي المسيحي للمدينة القديمة، وفي هذا يرى البعض أن الكنيسة الروسية قد تجاوزت حتى حدود السياسة الخارجية للدولة، والتي تتعامل بدبلوماسية هادئة وطبيعية مع السلطة الإسرائيلية، الأمر الذي يتوقع معه أن تواجه الكنيسة الروسية حربا قوية من طوائف وجهات أخرى داخل روسيا وخارجها، وخاصة الطوائف اليهودية ومن يدعمها ويدور في فلكها.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com