في خطوة هامة تختصر مسافات من البعد بين واشنطن وموسكو، أقدم الرئيس الأميركي على اتخاذ موقف متميز في تخفيف حدة التوتر في أوروبا حين أعلن بأن الولايات المتحدة قد أعادت النظر بجدوى الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ، والذي كان في خططها نشره في جمهوريتي بولندا وتشيكيا.

ومن المعروف أن فكرة نشر هذه الدرع قد وردت لأول مرة عام 2007 تنفيذاً لبرنامج حرب النجوم الذي ابتدأه الرئيس رونالد ريغان في ثمانينات القرن المنصرم على أن يبدأ بتشغيله عام 2012.

وقد لقيت هذه الخطوة فوراً ترحيباً حاراً من لدن روسيا التي اعتبرته مقدمة إيجابية لإجراء المزيد من الحوار بين موسكو وواشنطن لتسهيل تطبيق الاتفاقات بينهما.

ورغم أن تصريح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لا ينص على التخلي عن نشر الدرع الصاروخية، وإنما تأجيل ذلك إلى عام 2015، إلا أن القرار يعتبر تخلياً حقيقياً عن الدرع، وإن الإشارة إلى التأجيل لا تشكل غير ورقة ضغط تسعى واشنطن إلى الحصول على بعض المكاسب من رفعها.

الأسباب الموجبة لذلك كما بينتها الإدارة الأميركية هي إعادة تقييم مخاطر البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث توصلت من خلالها إلى نتيجة مفادها أن إيران لا تزال على مسافة ليست قريبة من إنتاج الصواريخ الباليستية البعيدة المدى التي يمكن أن تصيب أهدافاً في القارة الأوروبية.

ومقابل الترحيب الروسي قابل مسؤول إيراني هذا القرار في منتهى البرود، مشيراً إلى أنه لا يعني إيران من قريب أو بعيد. فالدرع الصاروخية كانت موجهة ضد روسيا ضمن خطة محاصرتها وعزلها وتحجيم قدراتها الصاروخية، ولم تكن موجهة ضد إيران.

رغم أن القرار الأميركي يمس بشكل مباشر العلاقات الأميركية - الروسية ويزيح عبئاً ثقيلاً عن القارة الأوربية، إلا أن له أكثر من بعد، يمكن حصرها في الآتي:

1. الولايات المتحدة لا تعتبر روسيا خصماً محتملاً في وقت قريب، من جهة، وتمهد لصداقتها على المدى الأبعد، من جهة أخرى.

2. رسالة حسن نية إلى طهران وتخفيف من أجواء الاحتقان معها.

3. تنمية علاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي عبر التخفيف من التوترات مع دوله على الرغم من عدم تهاون واشنطن في التعامل مع تنظيم القاعدة وطالبان في باكستان وأفغانستان، وهذا في الحقيقة من أجندة الرئيس أوباما الانتخابية.

4. رسالة طمأنة إلى تل أبيب بأن قوة إيران ليست بالقدر الذي يهدد أمن الدولة العبرية، والحقيقة أن الإجراء الأميركي قد جاء متزامناً مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك والتي ذكر فيها بأن إيران لا تشكل خطورة أمنية على إسرائيل.

5. تقريب الموقف الروسي من الموقف الغربي فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فقد كان لتصريح الرئيس الروسي في هذا السياق ما يعزز ذلك، فترحيبه بالقرار الأميركي قد جرى في نفس الوقت الذي أعرب فيه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما بأن هذا القرار يمكن أن يدفع طهران إلى إعادة النظر ببرنامجها النووي بعد أن رفعت الولايات المتحدة إحدى أدوات الضغط عنها، وهذه رسالة في منتهى الوضوح من موسكو إلى طهران تعبر عن رغبة روسيا في ذلك أيضاً.

6. تسليط ضغوط غير مباشرة على كوريا الشمالية عن طريق تحفيز شركاء الولايات المتحدة في اللجنة السداسية الخاصة بمتابعة الملف النووي الكوري الشمالي إلى زيادة الضغوطات على بيونغ يانغ.

7. ترميم صورة الولايات المتحدة التي لطختها الكثير من الأدران، على المستوى العالمي، بفعل سياسات الرئيس السابق الهوجاء.

8. تنفيذاً لأجندة الرئيس أوباما الذي وعد ناخبيه بالخروج من نفق الأزمة المالية الحادة، فالقرار يأتي في سياق تقليص حجم الانشغال الأميركي في الخارج إلى حد يفسح بالمزيد من الوقت للتفرغ لشؤون الداخل، ويسمح كذلك بالحد من النفقات لمواجهة تداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة وأرهقتها بالديون. حيث تعتبر إدارة الرئيس أوباما الخروج من هذه الأزمة هاجسها الأول، كما تعتبر القضية الأكثر أهمية بالنسبة لأي مواطن أميركي.

منظومات الصواريخ المضادة للصواريخ تعتبر أغلى منظومات الأسلحة المتوافرة في الترسانة العسكرية الأميركية، ومن غير شك الأكثر غلاء في العالم أجمع. ففي الأول من سبتمبر الجاري طلبت وزارة الدفاع اليابانية تخصيص مبلغ قدره (176 مليار ين، مليارا دولار تقريباً) كجزء من نفقات مقدارها (5 تريليون ين، خمسون مليار دولار) طلبت الوزارة اعتمادها في ميزانية عام 2010، لنشر درع صاروخي للتصدي للمخاطر التي قد تنجم من تورط في اندلاع حرب مع كوريا الشمالية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد قام الرئيس السابق جورج بوش بزيادة ميزانية الدفاع الصاروخي إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه أبان سلفه بيل كلنتون حيث وصلت إلى أحد عشر مليار دولار سنوياً.

ووفق حسابات الدائرة المختصة بإعداد الميزانيات في الكونغرس الأميركي، ستكون تخصيصات البنتاغون للدفاع الصاروخي، ابتداء من العام 2013، تسعة عشر مليار دولار سنوياً.

القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس أوباما قد يكون مؤلماً للجيل الذي تشبع بثقافة المواجهة وقعقعة السلاح، جيل المحافظين الذين أخلوا مواقعهم في البيت الأبيض، وقد يفسرونه على أنه بداية تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها نحو القارة الأوروبية التي بقيت وفية لها طيلة أكثر من نصف قرن.

وقد يرى فيه قادة بولندا وتشيكيا ضياع فرصة تاريخية في الحصول على امتيازات دول المواجهة التي حصلت عليها دول أخرى أبان فترة الحرب الباردة، إلا أنه بكل تأكيد قرار في منتهى الحكمة، ويخدم أول ما يخدم مصالح الولايات المتحدة التي تؤسس في قرارات كهذه دعائم مسؤولياتها اتجاه العالم.

وهو فوق ذلك لم يكن قراراً سياسياً فحسب فقد اتخذ في ضوء حسابات عسكرية دقيقة طالت الكثير من التفاصيل الفنية، ولم تغب تفاصيلها عن حلفاء الولايات المتحدة في حلف الأطلسي الذين سارعوا للترحيب بالقرار.

الرئيس أوباما يرى أن خير العالم يكمن في التلطيف من أزماته والانفتاح على مشاكله، فهل آن لنا أن نرى معالم جديدة في السياسة الأميركية تفتح باب التغيير على مصراعيه نحو نظام عالمي جديد؟

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae