بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خرجت روسيا للسوق العالمي للطاقة بإنتاجها الضخم من النفط والغاز الطبيعي، وكان من المفترض أن يتعامل معها العالم في هذا المجال باحترام وبمراعاة أكثر لمصالحها، خاصة وأنها أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي في العالم بحصة تقدر بنحو 30% من الانتاج العالمي، وباعتبارها ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية.
ولكن رغم هذا لم تلق روسيا المعاملة المطلوبة والمكانة المناسبة في السوق العالمي، وربما يرجع ذلك لحالة الفوضى والنهب والفساد التي شهدتها روسيا في فترة التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتي جعلت احترام وتقدير العالم لها يتراجعا كثيرا.
الآن ومنذ مطلع الالفية الثالثة وروسيا تستعيد مكانتها تدريجيا على الساحة الدولية وتثبت موقعها في سوق الطاقة العالمية أصبح على العالم أن يتعامل معها بشكل آخر، ومن يريد التعاون والتنسيق مع روسيا في هذه السوق فعليه أن يحترم مصالحها ومكانتها الجيوسياسية على الساحة الدولية، ولا يجوز لأحد أن يتصور أن روسيا يمكن أن تقبل أي قرارات تفرضها جهات أخرى لا تراعي مصالحها ولا تنسق معها.
ومن المعروف أن روسيا ليست عضوة في منظمة أوبك للدول المنتجة والمصدرة للنفط، ورغم مكانة روسيا في سوق النفط العالمي إلا أن القائمين على «أوبك» لم يفكروا مرة في ضمها لعضوية هذه المنظمة، ربما لأنهم يخشوا نفوذها وقوتها، وربما لأسباب أخرى غير معلنة.
وقد دخلت روسيا في الأيام الماضية في أزمة مع منظمة «أوبك».
وذلك بسبب عدم التزام روسيا بقرارات أوبك حول تخفيض الإنتاج، وآخرها قرار المنظمة في التاسع من سبتمبر باستمرار حصة الإنتاج المنخفضة التي أقرتها المنظمة في خريف العام الماضي لمواجهة الانخفاض الحاد في أسعار النفط، حيث لم تلتزم روسيا بالتخفيض بل على العكس زادت الشركات الروسية من إنتاجها للنفط، الأمر الذي زاد من صادرات روسيا التي وصلت إلى 4,7 ملايين برميل يوميا بينما تراجعت صادرات المملكة العربية السعودية عند 7 ملايين برميل يوميا.
حسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة لأول مرة في تاريخ روسيا تتصدر قائمة مصدري النفط وتتجاوز السعودية الأولى دائما في هذا المجال، وفي اجتماعها الأخير وجهت أوبك اتهامات لروسيا بعدم الالتزام بقرارات تخفيض الإنتاج، ورغم عدم إلزامية قرارات أوبك لروسيا غير العضوة فيها، إلا أن أعضاء المنظمة كانوا يأملون دائما في التنسيق مع روسيا باعتبارها ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية.
وقد عبر عبد الله البدري أمين عام منظمة أوبك عن قلقه من عدم رغبة روسيا في التعاون مع المنظمة، وقال وزير الطاقة القطري عبدالله بن حمد العطية ان «روسيا تنوي استغلال قرار أوبك بشأن تخفيض الإنتاج لاحتلال موقع المنظمة في سوق النفط العالمية».
روسيا ترد على الاتهامات قائلة «نحن لسنا أعضاء في أوبك وليس علينا أية التزامات تجاهها» ويقول وزير الطاقة الروسي «هم في أوبك يتهموننا بعدم التنسيق الآن في ظروف الأزمة العالمية، بينما هم الذين كانوا دائما يستبعدوننا ولا ينسقون معنا في قراراتهم».
الحقيقة أن مصالح روسيا وأوبك دائما متناقضة ومن الصعب أن تتطابق، والقضية ليس كما يتصور البعض في أوبك أن روسيا تسعى للريادة في السوق العالمي، خاصة أن سوق النفط الروسي محصور ومحدد في دول معينة تتعامل مصانع تكرير النفط فيها مع النفط الروسي فقط دون غيره، ولكن وضع روسيا يختلف عن وضع دول أوبك باعتبارها دولة كبيرة ذات مصالح استراتيجية وجيوسياسية عالمية، ومن لا يراعي هذه المصالح ويحترمها لا يحق له أن يطلب من روسيا التنسيق معه.
خبيرة الطاقة الروسية