لم تتفهم بعض الأوساط السياسية الفلسطينية ما جاء بالورقة المصرية للمصالحة، التي عرضت في 9/9/2009، حول إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي للسلطة الوطنية ورئاسة السلطة خلال النصف الأول من 2010.

الردود الأولية العاجلة لهذه الأوساط، ومنها قطاع من حركة فتح، مالت إلى ضرورة عدم تأجيل الانتخابات المتوخاة، وذلك مراعاة لذريعتين أساسيتين: الأولى، أنه تم التوافق في جولات الحوار الوطني السابقة على التقيد بموعد 25 يناير المقبل لإجراء هذه الانتخابات، وفقاً للقانون الذي ينص على أن يقوم الرئيس الفلسطيني بإصدار مرسوم بهذا الخصوص قبل ثلاثة شهور من هذا الموعد.والثانية، أن ولايتي المجلس التشريعي ورئيس السلطة تنتهيان «دستورياً» في 25 يناير 2010. وأي تأخير في تجديد هاتين الولايتين انتخابيا يعني حدوث فراغ دستوري قد تتمخض عنه مشكلات لا يحتملها الوضع الفلسطيني المتأزم أصلاً.

للوهلة الأولى يظهر المتحفظون على المقترح المصري وكأنهم حريصون على تطبيق القانون بحرفيته من ناحية، وأنهم من ناحية أخرى يرغبون في التقيد بتطبيق نقطة سبق التوافق عليها بشق الأنفس وليس من المناسب إغفالها، الأمر الذي يفتح باباً للاختلاف مجدداً عليها. وهذه وجهة نظر تستحق التقدير.

على مقلب فلسطيني مقابل، نعثر على تقييم آخر للمقترح، مفاده إمكانية الأخذ به من حيث المبدأ، شريطة حل قضية الاعتقالات والمعتقلين لعناصر حماس في الضفة وعناصر فتح في غزة. ويمضي هذا الرأي إلى أن الانتخابات تستدعي عموماً تنقية الأجواء الوطنية مما علق بها من شوائب وضغائن، تراكمت في فترة القطيعة والتباغض.. وهذه أيضاً وجهة نظر جديرة بالتأمل والاحترام.

غير أن مقاربة أعمق لهذين الموقفين ربما استبطنت لهما منظورين مختلفين ينطلقان من مصلحة فئوية أو حزبية خالصة. فالقائلون بتعجيل الانتخابات يضمرون أن المناخ الوطني العام، وربما غير الوطني، بات مواتياً لتحقيقهم نتائج معتبرة، تؤكد غلبتهم واحتمال فوزهم على خصومهم ومنافسيهم. ومما يطمئنهم إلى ذلك استطلاعات الرأي التي راحت توالي مؤخراً ترجيحها لهذا التقدير.

والقائلون بتأجيل الانتخابات؛ غير المتحمسين لها في توقيتها بعامة، يتخوفون من ضعف شعبيتهم في ضوء الحصاد المر للسنوات الأخيرة، سنوات الحصار الخارجي وحالة التيه الداخلية.. وهم يأملون في تحسين مكانتهم وأوضاعهم، معتمدين جوهرياً على فشل جهود التسوية واستمرار البغي الإسرائيلي والانحياز الأميركي ضد الحقوق والمطالب (الثوابت) الفلسطينية.

لا يجاهر الفريقان بهذه الأبعاد والمحفزات ذات الحمولة المصلحية الحزبية الذاتية الخالصة، لأن في هذه المجاهرة ما قد يجرح تعاطيهما مع قضية حيوية كالانتخابات.. وهنا تتجلى حصافة المداخلة المصرية، التي تلتزم وضع الخطوط العريضة بالحديث عن النصف الأول من العام القادم كموعد للانتخابات، دون البوح بالأسباب الدافعة لهذا السقف الزمني.. وأغلب الظن أنها تتوخى بذلك إرضاء أصحاب الرؤيتين المذكورتين. والأهم أنها تدرك مدى التعقيدات التي ينطوي عليها إعداد البيئة الفلسطينية لتسيير الإجراء الانتخابي بنجاح.

ما نجادل به بهذا الصدد، أن العملية الانتخابية الفلسطينية تقتضي مجموعة من الاستحقاقات والإجراءات القبلية التمهيدية على أكثر من صعيد: فنياً وسياسياً ونفسياً واجتماعيا واقتصادياً.. وأن الفترة المتبقية إلى يوم الحسم الانتخابي المقررة بالقانون(25 يناير 2010) ليست كافية للوفاء بهذه الاستحقاقات.

كل من تابع الحالة الفلسطينية خلال السنوات الأربع الماضية، يدرك مغزى هذا الاعتقاد بالنسبة لتسيير انتخابات أمنية وديمقراطية سليمة وسلمية شكلاً ومضموناً لكل من المجلس التشريعي ورئاسة السلطة الوطنية. ونحسب أن استطراد التوجهات التصالحية إلى ضرورة إجراء انتخابات موازية ومتزامنة للمجلس الوطني لمنظمة التحرير، يضيف الكثير إلى التعقيدات المتصورة والاستحقاقات والاستعدادات المطلوبة.

في هذا الإطار لابد أن يتوقف المعنيون جميعاً عند عدد من الحقائق، من أبرزها أنه لم يسبق للشعب الفلسطيني أن خاض تجربة انتخابية للمجلس الوطني، الذي يشكل أعلى مؤسسة تشريعية في نظامهم السياسي بكافة مسمياته..

ومع أن المشرع الفلسطيني وضع نظاماً انتخابياً لهذه المؤسسة الأم قبل أكثر من أربعين عاماً، إلا أن معطيات موضوعية كثيرة، ليس هذا مقام التفصيل فيها، حالت دون تفعيل هذا النظام بحذافيره. وقد استعيض عن ذلك ببضعة أساليب، جرى التوافق العام على انها تمثل أقصى الممكن للادعاء باختيار أعضاء المجلس وفق آليات شبه ديمقراطية. وهنا يصح السؤال عما إذا كان الزمن ومستجدات ومتغيرات لا حصر لها أضحت تقضي بتجاوز هذه الآليات والأخذ بأسلوب التصويت المباشر.

الشاهد، أنه حتى إذا كان الواقع بمعطياته الراهنة يستلزم هذا التحول الفارق، فان الواقع ذاته لن يكف عن إثارة أسئلة جوهرية.. إذ كيف سيتم التعامل مع مختلف التجمعات الفلسطينية في الوطن والملاجئ؟.. كيف سيجري تقسيم هذا الانتشار الشعبي على مساحة شبه عالمية إلى دوائر انتخابية؟ ؛ ما مدى قابلية الدول المضيفة للتعاطي مع حدث فلسطيني (كالانتخابات) ينطوي على تنافس قوي بالأريحية الديمقراطية المتوخاة ؟. ألن يزعج العواصم المضيفة احتمال أن تنحدر لغة التنافس الديمقراطي المأمول إلى مشاحنات ومشاكسات (حتى لا نقول اشتباكات باردة وربما ساخنة) معاكسة لاستقرارها وأمنها؟.

الواقع يقول إن انتخابات المجلس التشريعي ورئاسة السلطة تقع في الحيز الفلسطيني سكانياً وجغرافياً وإن اتصلت بأطراف خارجية.. هذا في حين تتمدد انتخابات المجلس الوطني على مساحة جغرافية وأحوال سياسية تتجاوز الوطن الفلسطيني إلى أوطان آخرين، لهم رؤاهم وتكييفاتهم الذاتية التي قد لا تنسجم والتوقعات الفلسطينية البحتة.

وعليه، لا يبالغ من يعتقد أن المسافة الزمنية المتبقية إلى 25 يناير المقبل لا تكفى لاستطلاع آفاق هذه الحقائق وتداعياتها على أيلولة وسيرورة الانتخابات ذات الثلاثة أضلاع. ترى هل تدخل هذه الأفكار وحكمتها ضمن محددات المقترح المصري. ربما كان الأمر كذلك.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com