باتت مشكلة تأليف الحكومة في لبنان الشغل الشاغل لدى بعض الزعامات وخاصةً المسيحية منها من رؤساء الأحزاب وغيرهم ممن يساندونهم في تغليب المصلحة الشخصيّة على مصلحة المسيحيين والوطن بشكلٍ عام. توضيحا لحقيقة هذه المشكلة وردا على الأصوات التي تعلو للتمويه لا بدّ من تسليط الضوء على فكرة أن هؤلاء يغطون مؤامرة تهميش قديمة جديدة أصبحت تشكل جوهرا حقيقيا في أركان نظام الحكم في لبنان.
لطالما تميز لبنان بتعدديته الطائفيّة وتعايش أبنائه فيما بينهم، لكن ممّا لا شك به أنه هناك خلل في تكوينته السياسية ما يغلب فئة على فئة ويمكن البعض من الاستئثار بالسلطة على حساب تهميش للممثلين الحقيقييين للشريك الآخر في الحكم، وهنا لا بد من الذكر بأن هذا الفريق هو الفريق المسيحي. هذه الاستراتيجية اللاغية للفريق الآخر بدأت منذ عشرين عاما وتم توارثها في الحكم وهي تمتد لتشمل الشعب وتخلق هذه الهوة بين أبناء الوطن الواحد.
إنّ هناك محاولات لتكريس سابقة وعرف يعطي الصلاحية لرئيس الحكومة باختيار من يشاء لتمثيل المسيحيّين في الحكومة. ففريق الأكثرية من جديد يخوض معركة لإلغاء أي حزب أو تيّار مسيحي قوي وفاعل وجدير بالمشاركة معهم بصفة متساوية.
في عهد دستور الجمهورية الأولى، كان رئيس الجمهورية يعين الحكومة ورئيسها. فجاء إميل إده وبدأ ما يعرف بالأعراف البرلمانية، فأجرى استشارات. وبعد ذلك، زادت الاستشارات فبات الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية والنواب يتشاورون ويؤلفون الحكومة معا. وما زال يعمل بهذا التقليد أيضا من بعد الطائف، إذ لم يستنبط شيء جديد.
الأعراف البرلمانية ظلت، لذلك لا يجوز لأحد أن يتلاعب بالدستور بما يتوافق مع مصالحه. يجب أن تكون هناك معايير لتأليف الحكومة، فكل من عمل سلطة خارج إطار هذه المعايير الأخلاقية والقانونية يعتبر تجاوزا للسلطة. حتى الوزير بصلاحياته المعطاة له ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إذا لم يحترموا المعايير الأخلاقية ومعايير العدالة يعتبر عمل السلطة الذي يقومون به خارج إطار الشرعية.
إذا كان مخطط تسمية وزرائنا نيابةً عنا يعطيهم الحق باختيار وزراء من داخل التكتل حينا وأصدقاء للتكتل حينا آخر ولاحقا ربما ينهوا فكرة اختيار وزير من التكتّل أو حتى صديقا مقرّبا منه، فهذا يعني أنّ تسجيل هذه السابقة ووضع الكرة في ملعبهم سوف يجعلنا خارج المباراة بل سيجعل الوطن برمته في عداد الخاسرين في المباراة النهائيّة، إذ سيعيدوننا إلى حقبات الوصاية حيث يختارون من يطيعهم ويغطّي أخطاءهم وقراراتهم ويبقى الآخرون في موقع الجمهور الذي عليه أن يصفق لهذه المسرحية الدرامية.
فمشكلة تشكيل الحكومة في لبنان لا تُفصل في مضمونها عن أي من المشكلات الحاصلة في العالم العربي. فمشاكلنا نحن العرب كالسلسلة المترابطة التي كل حلقة فيها تتأثّر بالأخرى. فالتوطين والدَين العام والتدخل الخارجي كلها تتبلور في مدى صحة التشكيل الوزاري الّذي سوف يمسك في زمام الأمور ويحدد المسار الذي سوف يسير به البلد.
إن عرض تسلسل الأحداث وحقيقة الأمور من قبل أصدقاء التيار الوطني الحر لا يضعنا إعلاميا في موقع الدفاع عن فكرة توزير الراسبين في الانتخابات النيابية وغيرها من الأعذار التي يتذرعون بها في فريق الأكثرية. فالقضية ليست مجرّد قضية توزير فحسب، بل هي قضية وطن، قضية تهميش شعب، قضية سيطرة سلطة، وقضية قرارات تسافر عبر الصحارى والبحار لمصالح شخصية وليس لمصلحة الوطن.
لا يعنينا البتة أن نعرف لمن يعطى مجد لبنان، إذ كان كل فصيل يفسر هذا المجد حسب هواه فهو مجد زائل في كل الأحوال. المجد لله وحده دائماً وأبداً، ومن العبث أن نبحث بشكل حيادي عن إجماع على هذا الأمر.
فلكل طائفة مجدها ومَن تعتبره صاحب المجد والسؤدد والضمانة لها في مصارعتها الآخرين على حفظ مكتسباتها. غير أن مسؤولية الجميع تكمن في الحفاظ على لبنان الوطن حتى يبقى ثمة مجد يُنسب اليه. ماذا ينفع المجد الغابر بعد خراب البصرة والبكاء على الأطلال؟ وماذا ينفع هذا المجد مع انقسام اللبنانيين وتشرذمهم إلى جماعات طائفية لا يجمعها أي قاسم مشترك أو أي ثوابت ومسلّمات وطنية توحّدهم في مواجهة مصائر قد تجعل بلادهم جميعاً قاعاً صفصفاً.
كاتبة لبنانيّة
