شهدت منطقة الشرق الأوسط مؤخرا تحركات سياسية تركية، جعلت بعض المحللين والمراقبين يقولون أن المنطقة على وشك الدخول فيما يطلق عليه العصر التركي، وهذه المقولات تروجها في نفس الوقت دوائر سياسية تركية متعددة، وهذه الأطروحة من الواجب مناقشتها وتشريحها بل وتفكيكها من اجل معرفة المستقبل الذي ينتظر المنطقة على الأقل في السنوات القليلة المقبلة.
فمن جهة عقدت منذ أيام للاجتماع الأول للمجلس الوزاري للتعاون الاستراتيجي التركي-العراقي في اسطنبول، الذي صرح وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، فيها إنه حالما تنتشر تجربة عملية التعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا في المنطقة، فإنها ستصبح نموذجا جديدا للشراكة في الشرق الأوسط الذي لن يكون بعدها مكانا للأزمات والمشاكل والصدامات، بل مركزا لحضارة عظيمة مضيفا إن التعاون مع العراق سوف يشكل مجالا اقتصاديا مشتركا للمصالح المشتركة والحوار المشترك وللآلية الأمنية المتبادلة.
ومن جهة ثانية، وقبل هذا الاجتماع بيوم واحد وصل الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى تركيا على رأس وفد رفيع المستوى في زيارة قصيرة لكي يحضر خلالها إلى جانب رئيس الوزراء التركي، طيب رجب اردوجان، مراسم توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين.و صرح الأسد لوسائل الإعلام التركية قبل وصوله إلى اسطنبول أن بلاده لن تتفاوض مع إسرائيل إلا عن طريق الوسيط التركي.
ومن جهة ثالثة توجه وفد عراقي يضم مسؤولين من وزارتي الداخلية والدفاع إلى العاصمة التركية يحمل معه أدلة على إيواء سوريا لجماعات تقف خلف الهجومين الدمويين اللذين شهدتهما بغداد الشهر الماضي.وأوضح الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ أن الأدلة تشمل «اعترافات واتصالات وأدلة على الدعم المالي واللوجستي الذي يقدمه أشخاص مرتبطون بالقاعدة في سوريا».
وكان وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو قد توجه قبل ذلك إلى بغداد ودمشق وأجرى محادثات في العاصمتين في مسعى لنزع فتيل الأزمة التي نشبت بين البلدين بعد اتهام العراق سوريا بتوفير المأوى للمسؤولين عن الهجومين اللذين استهدفا وزارتي الخارجية والمالية وأسفرا عن سقوط حوالي مئة قتيل و600 جريح.
وإذا كان علي الدباغ الناطق باسم الحكومة العراقية قال إن اللقاء الذي أجراه وزيرا خارجية العراق وسوريا في اسطنبول الأسبوع قبل الماضي لبحث الخلاف الذي نشب بين البلدين بسبب اتهام بغداد لدمشق بإيواء مسؤولين من نظام السابق يقومون بتمويل هجمات في العراق لم يحقق أي تقدم.
بعدما رفضت سوريا تسليم بغداد اثنين من كبار المسؤولين السابقين في حزب البعث العراقي تتهمهم حكومة بغداد بالضلوع في التفجيرات التي شهدتها العاصمة العراقية في التاسع عشر أغسطس، فان ذلك لا ينفى أن تركيا بقيامها بدور الوسيط بين الجانبين قد أصبحت تمارس دورا مركزيا في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط .
وإذا أضفنا إلى هذه التطورات والتحركات التركية ما تطرحه تركيا حول إمكانية قيامها بالوساطة بين كل من إسرائيل وحركة حماس، يمكننا القول أن الدور المركزي التركي أصبح حقيقة على الأرض، وان قوى متعددة في المنطقة أصبحت تقبل به، سواء لكي توازن بين هذا الدور ودور ايرانى آخر متنام في المنطقة.
أو لأنها تدرك أن هناك قرار دولي غير معلن بتأسيس نظام اقليمى جديد تلعب فيه تركيا دورا مركزيا وهذا الأمر متوافق عليه بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي. فإن ذلك يعنى أن تركيا ينظرها دور واسع في تفاعلات المنطقة في الفترة المقبلة .
وفى نفس الوقت نستطيع القول أن أطروحة «العصر التركي» تتجاهل العديد من معطيات منطقة الشرق الأوسط، أولها أن محاولة تقسيم تاريخ المنطقة حسب ادوار الدول ثبت فشلها وعدم واقعيتها، ففي النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي قال محللون أن المنطقة تعيش الحقبة النفطية أو السعودية، ولكن ذلك لم يتحقق، وفي أوائل ثمانينات نفس القرن ومع الغزو الإسرائيلي للبنان قال نفس المحللون أن المنطقة تعيش في الحقبة الإسرائيلية.
ولكن ذلك لم يتحقق لان تاريخ وجغرافية المنطقة أوجد قوى تاريخية لا يمكن تجاهلها في تفاعلات المنطقة وهذه القوى تستطيع أن تفشل أي مخططات أو تفاعلات تتجاهلها وعلى رأس هذه القوى مصر وإيران والمملكة العربية السعودية . وهذه القوى الثلاث لن ترضى بان يتهمش في المرحلة المقبلة، وهذه القوى ستحاول أن تعرقل الدور التركي أو على الأقل تدخل في صراع مع تركيا حول الدور والمكانة .
وفى نفس الوقت فان هناك معطيات تشكك في أهلية تركيا للقيام بدورها المركزي في المنطقة بما يجعل الأخيرة تعيش في العصر التركي، وفى مقدمة هذه المعطيات أن تركيا على الرغم من الأدوار التي أسندت لها وعلى الرغم من التوافق حول قيامها بادوار ما في الوساطة بين اطراف متنازعة، ألا أنها لم تحقق أية نتائج ايجابية سوى أنها تستطيع أن تجمع الأطراف على مائدة التفاوض فقط ولكنها لم تستطع أن تساعد هذه الأطراف أو أن تجبرها على التوصل إلى اتفاقات أو تسويات.
وذلك على العكس من كل من مصر والمملكة العربية السعودية، بل وقطر، فهذه الدول الثلاث استطاعت أن تجمع اطراف متنازعة على مائدة التفاوض وان تساعدها في نفس الوقت على التوصل إلى تسويات، بغض النظر عن استمرار هذه التسويات من عدمه، وكل ذلك يعنى أن الدور التركي لا يمكن إلا إن يكون دورا مكملا أو مساعدا، ولا يمكن أن يكون دورا رئيسيا في المرحلة المقبلة بل أن الادعاء بالدخول في العصر التركي، يمكن أن يكون عاملا سلبيا، لأنه قد يدفع قوى إقليمية أخرى لعرقلة ما تقوم به تركيا من جهود.
كاتب مصري
