زيارة غير عادية لرئيس غير عادي، هكذا وصف البعض زيارة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز لموسكو في التاسع من سبتمبر الجاري، والشيء غير العادي في الزيارة ليس الاتفاقيات ولا صفقات الأسلحة التي أسفرت عنها، ولكن الحماس المتدفق لدى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وحواراته التي تطغى عليها النزعة الثورية التي لم يعد لها وجود في موسكو من نحو ربع قرن مضى بعد وصول آخر زعيم سوفييتي ميخائيل جورباتشوف للحكم وبداية أفول شمس الثورة في روسيا، ورغم هذا فقد صمم شافيز في حواره مع الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين على استخدام كلمة «الرفيق» التي يستخدمها الشيوعيون.
زيارات شافيز المتكررة إلى موسكو بمعدل مرتين كل عام تعكس في رأي البعض حالة القلق والخوف لدى الرئيس الفنزويلي من جارته «الإمبريالية» أميركا التي يعتقد شافيز دائماً أنها تعد العدة للهجوم عليه في أية لحظة، ولهذا فهو دائماً يبحث عن حليف استراتيجي قوي يعتمد عليه في مواجهة هذه التهديدات، ويرى شافيز في روسيا الحديثة أفضل حليف، ولهذا فهو يكرر دائماً مقولته بأن «روسيا هي القوة العظمى القادمة على الساحة الدولية والتي ستعدل موازين القوة في العالم».
ولكن على ما يبدو أن موسكو لا يروق لها هذا الحديث الآن لأنها لا تريد أن تخرج على الساحة الدولية كقوة عسكرية يخافها الآخرون، بل تريد أن تقنع العالم كله بأنها تخلت تماماً عن أية نزعات إمبراطورية كانت موجودة في الزمن السوفييتي، وأنها مستعدة للتعامل مع الجميع صغار وكبار على مبدأ المساواة والمصالح المشتركة، وربما هذا الذي يدفع الرئيس الفنزويلي لتأمين نفسه أكثر بالبحث عن حلفاء آخرين مثل إيران وبيلاروسيا والصين ودولاً عربية مثل سوريا وليبيا، ويصفهم شافيز جميعاً بالأصدقاء الاستراتيجيين.
موسكو من جانبها تبدي تعاطفاً وتأييداً لـ «الرفيق شافيز» رغم اعتراض بعض الاتجاهات السياسية في موسكو على ذلك، ولكن روسيا تبحث عن مصالح أخرى في الحديقة اللاتينية للولايات المتحدة الأميركية، وعلى رأسها مصالح الطاقة من النفط والغاز، وتنافسها الصين التي عقدت اتفاقات بأكثر من أربعة مليارات دولار مع شافيز في مجال الطاقة.
فنزويلا أكبر منتج نفط في أميركا والرابع عالمياً. وأثناء زيارة شافيز لموسكو تم إبرام اتفاقات مهمة حول عمل «الكونسورتيوم النفطي» الروسي الذي أنشئ خصيصاً لاستخراج النفط الفنزويلي. حيث ستقوم الشركات الروسية في إطار المشروع بالتعاون مع فنزويلا بإنشاء منشأة مشتركة لاستغلال حقل «خونين 6». احتياطات النفط هناك تقدر بـ 53 مليار برميل، ويبلغ حجم الاستثمارات نحو 30 مليار دولار.
وفي عام 2005 فازت «غازبروم» بالمناقصة وحصلت على الترخيص لتنقيب حقول الغاز «أوروماكو ـ 1» و«أوروماكو ـ 2» في فنزويلا. والآن في موسكو يتم تأكيد مشاركة روسيا في إنتاج الغاز. الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي في فنزويلا تبلغ 1,4 تريليونات متر مكعب، لتحتل بذلك المرتبة الثانية في نصف الكرة الأرضية الغربي بعد الولايات المتحدة.
لقد قام شافيز في موسكو كالعادة بإبرام صفقات لشراء أسلحة روسية. وقد قامت كراكاس منذ عام 2005 بشراء الأسلحة الروسية ـ بما فيها المروحيات والطائرات المقاتلة ورشاشات كالاشنيكوف ـ بمبلغ 4 مليارات دولار.
وصرح الرئيس الفنزويلي أكثر من مرة بأن علاقات بلده مع روسيا ستكون بمثابة شراكة استراتيجية. وقال في اللقاء مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف اليوم: «أنا أرفع علاقاتنا في كل الميادين إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية».
من جانبها لا تستخدم موسكو لغة الثورة مع شافيز، لكنها في نفس الوقت لا تبخل عليه بالإيحاء السياسي بأنها ستدعمه دائماً سياسياً وأنها لن تسمح لأية جهة بأن تهاجمه أو تعتدي عليه، وهذا ليس لأنه ثوري يساري تقدمي، ولكن لأنه الخيار الديمقراطي لشعبه.
محلل سياسي روسي
