كان انعقاد مؤتمر فتح في مطلع شهر أغسطس الماضي، وفيما هو أبعد من المنافسات الشخصية والخصومات بين تياراته، قد طرح في الواقع بوضوح المسألة الاستراتيجية المستقبلية للحركة الوطنية الفلسطينية ويُخشى ألا تكون القرارات التي جرى تبنيها على مستوى الرهانات والتحديات المطروحة.
وللمفارقة تعود الإخفاقات الأولى للنهج السياسي الذي تجسّد خلال السنوات العديدة لرئاسة الراحل ياسر عرفات إلى توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 التي خطّت منظور الإعلان عن دولة في الضفّة الغربية وقطاع غزّة مع القدس كعاصمة.
وكانت العودة الظافرة للرئيس عرفات إلى الأراضي المحتلّة هي بداية مسار يتسم بالقطيعة مع قسم من الشتات الفلسطيني ممن بقوا في الخارج. بنفس الوقت لم يتم تبنّي سياسة تنظيم الشعب على أساس برنامج للمقاومة والإصغاء للاقتراحات المقدّمة إليهم.
بالمقابل جرت المراهنة على المفاوضات مع الإسرائيليين ولم يتم الانتباه مبكّراً إلى خداعهم المستمر. فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو لم يتوقف هؤلاء عن محاولة كسب الوقت وممارسة كل ما يمكن أن يعطّل على أرض الواقع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة.. هكذا تابعوا الاستيطان وتهويد القدس وبناء جدار الفصل العنصري.
لقد تكدّست الأفعال الإسرائيلية دون أن تغيّر فتح من استراتيجيتها في اتجاه التكيّف مع الظروف الجديدة. هذا في الوقت الذي أفرغت فيه الوقائع مقولة أوسلو بخصوص قيام دولة فلسطينية كل صلاحيتها. بالتأكيد كان اتخاذ القرارات المطلوبة في غاية الصعوبة وليس المقصود هو إعطاء الدروس لأحد، ولكن التساؤل عن فائدة التمسك بوهم أن المفاوضات ممكنة دون مساعدة المجموعة الدولية كي يتم تطبيق القانون الدولي أخيراً؟
ويمكن اعتبار هزيمة فتح في الانتخابات التشريعية لعام 2006 نتيجة للتدهور المأساوي للأوضاع.
ولم يعرف قادة فتح بالمقابل استخراج الدروس من تلك الهزيمة. ولم تتم في أية لحظة عودة نقدية عن الخيارات الجارية، ومما أدّى بالمقابل إلى زيادة تشدد حماس وفرض سيطرتها على قطاع غزّة بعد حرب أهلية شجّعتها كثيراً البلدان الغربية التي رفضت، وترفض باستمرار، القيام بأي اتصال رسمي مع قيادتها.
وسمحت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة لحماس أن تقدّم نفسها بصفتها المقاوم الحقيقي الوحيد ضد العدوان الإسرائيلي. لكن ذهابها حتى النهاية في تشددها ضارّ للحركة الفلسطينية بمجملها.
ويبدو الأفق مسدوداً تماماً. فالأكثر تشدداً في فتح وحماس يساعدون على استمرار الانقسام، بينما ليس هناك أية حركة منهما تمثّل وحدها الشعب الفلسطيني بأكمله. إن فتح لم تعد في موقع تستطيع معه تعبئة قواها حول خط مقاومة وطنية ضد الإسرائيليين كما لم تعد قادرة على تعبئتها ضد حماس، فمقاتلي المنظمّتين يدافعان عن قضية مشتركة على مستوى القاعدة.
أمّا قيادة حماس فإنها تحاول من جهتها رسم صورة سلبية جداً لمنافسيها الفلسطينيين في فتح، لكنها لا تستطيع الزعم أنها تحلّ محلّهم. هذه القطيعة الإيديولوجية والجغرافية والفشل المتكرر بعد مؤتمر فتح للوصول إلى اتفاق بين الفريقين تجعل من الصعب حالياً تنظيم انتخابات عامّة رغم استحقاق مواعيدها للرئاسة وللمجلس التشريعي.
ويزيد من تعقيد الوضع فظاظة حكومة نتانياهو الذي يرفض القيام بأية خطوة إيجابية من جهة ووضع الانتظار فيما يخص الاقتراحات التي أعلنها الرئيس أوباما بالنسبة لشهر سبتمبر من جهة أخرى. لا شك أن جزءاً من الحل يوجد في واشنطن إذ فهم باراك أوباما أن استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل له مردود سيء جداً بالنسبة لصورة الولايات المتحدة، خاصة في العالمين العربي والإسلامي. مع ذلك لا أحد يعرف اليوم بدقّة مدى هامش المناورة الحقيقي الذي يملكه حيال تل أبيب وإلى أين تصل شجاعته وإرادته في الضغط على الدولة العبرية.
بالمقابل الكل يعرف أن الحياة اليومية للشعب الفلسطيني والمتدهورة أكثر فأكثر غير مواتية أبداً لإمكانية اتخاذ مبادرات سياسية من قبل القادة الفلسطينيين. والكل يعرف أن الفلسطينيين لا يملكون قدرة أن يفرضوا وحدهم استئناف مفاوضات حقيقية وتنشيط مسيرة سلام جديرة بمثل هذه التسمية.
مع ذلك هناك أمر يتحمّل مسؤوليته القادة الفلسطينيون، جميع القادة الفلسطينيين، وهو أنه لا يمكن لأي منهم أن يزعم وحده تمثيل الشعب الفلسطيني كلّه. ومسؤوليتهم الكبرى هي اليوم أن يفعلوا كل شيء من أجل إعادة بناء وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية بتنوعها وصياغة اقتراحات قادرة على التعبئة. ومثل هذا الرهان لم يحظ، كما يبدو، بما يستحق من الاهتمام في مؤتمر فتح الأخير مع أنه أحد مفاتيح الوضع.
لقد واجهت معركة الفلسطينيين باستمرار امتحانات صعبة وعليهم أن يتصرفوا بحيث تكون فلسطين هي الحلم المجسّد للجميع. ولا يمكن لفتح ولا لحماس الزعم بتجسيد تطلعات جميع الشعب الفلسطيني، وتقع على الجميع مسؤولية المصالحة داخل إطار مسيرة متجددة للسلام. ومن أجل ذلك ينبغي على المجموعة الدولية أن تتحاور مع الجميع دون استبعاد أحد.
كاتب فرنسي ـ باريس
