هل نحن نعيش فعلا (زمن العار)؟ هذا التساؤل يراود كل من يتابع بشكل يومي المسلسل الدرامي الذي تبثه مجموعة من الفضائيات العربية على مدى 30 ساعة طوال شهر رمضان.
أولا من الناحية الفنية، فإن هذا العمل الدرامي إخراجا وتمثيلا وفكرة وسيناريو يستحق التوقف عنده. فقد أبدع مجموعة من الممثلين العرب السوريين بقيادة المخرجة السورية رشا شربتجي في أداء أصعب الأدوار الفنية على مدى 30 حلقة متواصلة من العمل الفني (المتعوب عليه جدا)، وفيه يكاد ينسى المشاهد الوقت والتمثيل وينسى حتى نفسه، حتى يكاد يصدق بأن الأحداث التي تمر أمامه حقيقة واقعة مائة بالمائة بينما هو يشكل طرفا فيها.
ما كنت لأصدق يوما بأن لدينا ممثلين بارعين بهذا المستوى المتقدم الذي تفوقوا فيه حتى على العديد من الممثلين الغربيين في الصدق والأداء، ويستحقون بالتالي التكريم المناسب والاهتمام الذي يليق بمستواهم الفني.
لقد خشيت في لحظة ما أن يقوم (نورس) المرتشي ـ ويؤدي دوره الممثل المتمرس مكسيم خليل ـ وهو ممسك بسكينة المطبخ أن ينحر أخته بثينة (سلاف معمار) أمام المشاهدين بعد أن اندمج هو نفسه في دور الابن الذي يثور لشرف العائلة ونسي في لحظة ما أنه يقف أمام كاميرا المخرج!
الكل نسي التمثيل في الحلقات التي تعرض مساء كل يوم والكل كان يتابع بشغف ليس فقط تسلسل الأحداث ولكن روعة التمثيل والأداء والحوار الطبيعي والسيناريو المتقن الذي أصبحنا نفتقده في العديد من أعمالنا الدرامية بعد أن أصبحت الدراما لا تتعدى كونها مصدر استرزاق سريع للعديد من الممثلين الكبار القدامى الذين رضوا بأرخص الأعمال المقدمة إليهم.
هذا العمل السوري المتقدم نيا يرسم الخطوط العريضة لزمن العار الذي نعيشه في كل بيت، حيث تلعب المادة والتكسب السريع وغير الشرعي والبحث عن الملذات والطمع هم الإنسان العربي المحاصر من كل جهة، ضاربا بالحائط كل القيم التي تربى عليها أو تخلى عنها لتأمين لقمة العيش. إن عائلة السيد (منذر) وهي عائلة من الطبقة الوسطى، تنوعت بتنوع أبطالها؛ وعلى رأس القائمة المربي الأعلى للأسرة: (الأب) المتقاعد، ويؤدي دوره خالد تاجا، الذي وصل إلى سن متقدمة فقد فيها حيوية شبابه الذي أضاعه في البحث عن لقمة عيشه وعيش أبنائه وبناته فلجأ في نهاية عمره إلى المراهقة المتأخرة، تاركا رفيقة دربه تطلق شهقتها الأخيرة أمام عينيه دون أن يحرك ساكنا.
الكل في عالمنا العربي يبحث عن طريقة تأمين مستقبله ولقمة عيشه وعيش أبنائه بأسلوبه الخاص، وفي كافة الطبقات عاليها وسافلها.
الطبقة الغنية تطمع أن يزداد ثراؤها على حساب المستضعفين والمغفلين، والطبقة الوسطى تبحث لها عن مخرج تؤمن به متطلبات حياتها اليومية ولكنها تتلاشى في النهاية فإما أن تتحول إلى طبقة ثرية أو معدمة، وأخيرا الطبقة الفقيرة التي تدفع الثمن.
وبين هذه الطبقات تضيع القيم التي يمارسها الأقوياء على الضعفاء دون أن تطبقها على نفسها، مرة بالقوة وأخرى بالابتزاز وثالثة بالخداع.
الكل في المجتمع العربي ـ ممثلا في هذا العمل السوري المتميز ـ من القمة إلى أخمص القدمين يعيش في فوضى عارمة وعقد متشابكة ومصالح متداخلة، والكل يحاول أن يبقى على حساب الآخر، في جو تشتتت فيه الأسرة، وانعدم الأمان، وانتشرت الأنانية الذاتية وتصاعدت الرغبات وتضاعف الطمع، وفي النهاية دفعت المرأة الشرقية في جميع مراحلها وأشكالها المختلفة: الأم والابنة والزوجة والصاحبة ثمنا غاليا لضياع قيم المجتمع الشرقي المحافظ وتحوله إلى مجتمع يقلد المجتمعات الغربية في تمدنها وتحضرها وديمقراطيتها وإقامة علاقاتها ولكن بطريقة شرقية.
إن (زمن العار) يتعدى بجرأة الخطوط السطحية التي تعالجها الدراما العادية والمتعارف عليها في فضح المجتمعات الشرقية ليصل إلى تضمين السياسة في الجو العام وفي جوهر الحدث. فالمواطن العربي في حالته المؤلمة هذه ضحية السياسات الخاطئة في الأنظمة المفروضة عليه منذ زمن فرعون دون القدرة على تغييرها.
إن الرشوة والطمع والتسلط وغياب القيم والضياع والتشتت في المجتمعات لا تأتي من فراغ، فهي نتيجة طبيعية لفساد الطبقة العليا.
فمتى سينتهي مسلسل زمن العار؟
جامعة الإمارات
