بعد جولة من الحوار الشامل، شاركت فيه كل الفصائل الفلسطينية بالإضافة إلى عدد من الشخصيات المستقلة، وست جولات من اللقاءات الثنائية التي اقتصرت على حركتي فتح وحماس، قدم المصريون ورقة لجسر الخلافات المتبقية، قالت بعض المصادر الصحفية إنها غير قابلة للنقاش والتعديل، وسيكون على كل فصيل أن يحدد موقفه قبولاً للورقة أو رفضاً لها.

الورقة المصرية التي تم تقديمها لكافة الفصائل تضمنت تلخيصاً لمسيرة الحوار وسجلت قضايا الاتفاق، وقضايا الخلاف، فضلاً عن ملخص لمواقف كل من فتح وحماس من قضايا الخلاف، وبعد ذلك قدمت حلولاً وسطية للقضايا المختلف عليها.

ويتضح من خلال الورقة أن الإنجاز الوحيد الذي تحقق خلال مسيرة الحوار ابتداءً من 29/2/2009، هو ذلك الإنجاز الذي حققته جلسة الحوار الشامل، أما جلسات الحوار الثنائي فلم تحقق شيئاً من الإنجاز تقريباً. هذا يعني أن حصر الحوار والأزمة بالطرفين الكبيرين المتصارعين كان خطأ أدى إلى استهلاك وقت طويل، جرى خلاله تعميق أزمة الثقة وتعميق مظاهر وإجراءات الانقسام فعلياً.

ذلك أن الحوار الثنائي كان محكوماً لمنطق المحاصصة، واستصغار أو استبعاد الآخرين من فصائل العمل الوطني التي تحظى بشرعية تاريخية مكنتها من الاستمرار كل هذه العقود من النضال الوطني الصعب والتضحوي. على كل حال فإن مأساة الفلسطينيين الناجمة عن الانقسام الذي مر عليه حتى الآن أكثر من سنتين، فضلاً عن مأساتهم ومعاناتهم بسبب الاحتلال، هذه المأساة تتوالى فصولاً، وتنخز عميقاً في الجسم الذي يفترض أن يتمتع بأقصى درجات الوحدة، لتوفير مقومات الصمود لمجابهة التحديات الكبيرة والخطيرة التي تواجه القضية الفلسطينية التي يسعى المجتمع الدولي لإنهائها بأثمان باهظة.

في الحقيقة فإن الحوار لم يبدأ مع جولة الحوار الشامل التي انعقدت في 29/2/2009 هذا العام، فلقد بدأ المصريون تحركهم مع الفصائل في شهر أغسطس من العام الماضي، ثم انقطع هذا الحوار إثر رفض حركة حماس حضور جلسة كانت مقررة في التاسع من نوفمبر العام الماضي.

توقف الحوار في نوفمبر من العام الماضي، تبعه العدوان الكبير والمدمر الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، واستمر لنحو ثلاثة أسابيع مخلفاً دماراً شاملاً في قطاع غزة.على أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لم يكن عقاباً لمن تسبب في وقف الحوار، ولا كان بسبب فشل المبادرة المصرية.

وإنما كان يستهدف تعميق الانقسام الفلسطيني، ودفع الطرفين المتصارعين نحو مرحلة أخرى من الاتهامات الصعبة والعدائية، ولإضعاف رغبتهما في الحوار من أجل إنهاء الانقسام الذي تستفيد منه إسرائيل أيما استفادة.بعد تلك المرحلة، أصبح واضحاً أن الفلسطينيين لم يعودوا يملكون زمام أمورهم، فالحوار بعد ذلك، أصبح مطلوباً للمساهمة في تحضير الساحة الفلسطينية للاستجابة لمساعي إحياء السلام التي تقودها إدارة الرئيس الأميركي براك أوباما.

ومع تقدم المساعي الأميركية والأوروبية في اتجاه تحضير الميدان والأطراف المعنية بإحياء عملية السلام، وكثرة الحديث عن أن الولايات المتحدة تحضر خطة لمتابعة العملية السلمية، قد يقدم الرئيس أوباما خطوطها العريضة خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد عيد الفطر، نقول مع تقدم هذه المساعي فإن الوقت المتاح أمام الفلسطينيين المنقسمين قد أخذ ينفذ.

هذا يعني أن الورقة المصرية هي الفرصة الأخيرة، ولذلك طلب المصريون من الفصائل مهلة محدودة لتقديم مواقفها من الورقة. على ما نعلم فإن كافة الفصائل، وكذلك المستقلون، قدموا للمصريين مواقفهم وملاحظاتهم على الورقة، وكان أبرز تلك المواقف ما صرح به عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد، من أن حركته توافق على الورقة كما هي رغم بعض التحفظات عليها.

الرد الوحيد الذي تأخر، كان موقف حركة حماس التي قالت إنها ستقدم ردها بعد عيد الفطر مباشرة وقبل الموعد الذي حدده المصريون لحوار التوقيع على اتفاق في مطلع شهر أكتوبر المقبل.

هذا السياق يضع حركة حماس في موقف حرج، حيث ستبدو وكأنها سيقت إلى الموافقة على الورقة بسبب موافقة الآخرين، أو أنها ستبدو في حال معارضتها على أنها الطرف المسئول عن إفشال مسيرة الحوار.

المصريون أوضحوا أنهم في حال فشل الحصول على موافقة جماعية على الورقة، فإنهم سيحيلون الملف إلى الجامعة العربية، مع موقف يشير إلى المسؤول عن التعطيل، الأمر الذي يضع الأطراف الفلسطينية أمام ضغط الوقت وضغط الموقفين المصري والعربي.

على أن هذه القضية بالذات فضلاً عن عوامل أخرى، تخلق انطباعاً قد يكون واقعياً بشأن مرحلة التنفيذ في حال تم التوقيع على الورقة المصرية إذ أن الذهاب بلا قناعة كافية نحو اتفاق يعيد توحيد الوضع الفلسطيني، من شأنه أن يحمل على الاعتقاد بأن الاتفاق سيكون شكلانياً، وسرعان ما أن يتعثر في التنفيذ الفعلي على الأرض، ليس هذا فقط ما يدعو للتشاؤم بشأن مصير الورقة المصرية، وبالتالي مصير الحوار الفلسطيني في هذا الوقت الصعب جداً، وإنما أيضاً ما تنطوي عليه الورقة ذاتها من نواقض واختلالات، كل ذلك يجعلنا أقل تفاؤلاً بشأن مستقبل الحوار والحالة الفلسطينية.

غياب الموضوع السياسي عن الورقة المصرية يثير الشكوك باعتباره من أهم العناوين والموضوعات التي تلخص بشكل مكثف أسباب الانقسام، فهل تتنازل القاهرة عن واحد من أهم الأهداف التي تعمل على تحقيقها عبر الحوار بين الفلسطينيين، كمساهمة في تهيئة الظروف الفلسطينية للتعامل بشكل إيجابي مع الجهود الأميركية لإحياء العملية السلمية؟

بعد ذلك، تتحدث الورقة عن تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخاب المجلس الوطني، إلى منتصف العام المقبل أو ما بعد ذلك، وبما يتجاوز الموعد الدستوري الذي يصادف انتهاء هذه الشرعيات في أواخر شهر يناير المقبل، هذا التأجيل يقدم سابقة خطيرة، إذ سيحيل الانتخابات إلى مشجب التوافق بين الفصائل بدلاً من نصوص الدستور الفلسطيني.

في كل الأحوال ليس بالإمكان التعامل مع الورقة الفلسطينية بمنظور فلسطيني فقط، إذ قد تتدخل إسرائيل لتستبق أو لتقطع كل سياق الحوار بعدوان جديد على قطاع غزة. هذا ما يتوجب على القيادات السياسية إدراكه والتحسب منه.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com