للسياسة معجمها الخاص شأنها في ذلك شأن بقية العلوم، فمصطلح «النظام العالمي الجديد، الذي نحن بصدد الخوض في بعض تفاصيله، هو أحد المصطلحات الجديدة التي يجري تداولها في صالات المتخصصين في العلوم السياسية.
وقد استحدث هذا المصطلح من واقع التغير المفاجيء والكبير في التوازنات الدولية إثر سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، وإنفراد الولايات المتحدة في الصولات والجولات في ساحات السياسات العالمية وتخومها.
النظام العالمي هو الذي يحدد سمة العصر ويرسم ملامحه ويحدد نكهته، تصنع في أطر هذا النظام السياسات والاستراتيجيات لكل دول العالم، وترسم ملامحه مستقبل الفرد والمجموعة والدولة، ولعل أخطر ما يرتبط به هو مقاربته للمشاكل العالمية التي تهدد الأمن والاستقرار.
في سياق الحديث عن النظام العالمي الجديد هناك أسئلة مشروعة تطرح نفسها، منها: هل تختلف معالم السياسة الدولية في الوقت الحاضر عما كانت عليه أبان حقبة الحرب الباردة ؟
وهل أن المعايير التقليدية في تقدير حجم الدور الذي تلعبه دولة ما، والتي تستند بالدرجة الأولى إلى القدرات الاقتصادية والعسكرية، التقليدية والنووية، وعلى تحالفاتها ومواقعها الجغرافي قد فقدت أهميتها في واقع السياسة الدولية ؟، وإذا كان ذلك صحيحاً فكيف ولماذا ؟
وهل تضاءلت مشاكل العالم في ظل النظام العالمي الجديد ؟، وهل أصبحت المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، التي تستطيع الدول الصغيرة من خلالها الإسهام في صياغة القرارات والسياسات العالمية أقوى من ذي قبل ؟
أم أن النظام العالمي الجديد قد خلق توازنات أصبحت أكثر قسوة على الدول الصغيرة؟.
الإجابة عن الأسئلة الأربعة الأولى هو (كلا)، والجواب عن السؤال الأخير هو (نعم)، لقد فشل العالم في خلق نظام عالمي يحقق الاستقرار رغم أن هذا العالم قد حقق فتوحات هائلة في مجال توسيع المعرفة وتعميقها، إنه عالم غني بالمعرفة إلا أنه فقير في الحكمة.
الدول الكبيرة ذات الثقل السياسي تسعى في الوقت الحاضر إلى خلق استقرار دولى يستند إلى توازن بعيد عن سباق التسلح وأجواء الحرب الباردة، وتلقى فكرة التوازن في القوى بين عدد من اللاعبين السياسين ترحيباً كبيراً من لدن دول عديدة، وهي نفس الفكرة التي تكمن خلف تأسيس المنظمات الدولية الكبيرة التي تضم أعضاء كثيرين، منها ما هو عسكري مثل حلف الأطلسي.
ومنها ما هو مدني مثل الأمم المتحدة. والنقطة المركزية في تحقيق ذلك هو الحصول على إجماع القوى الرئيسية لتلافي الصدامات وتحجيم النفوذ الذي يزيد عن حده ويؤدي إلى الهيمنة من قبل قوة واحدة.
ورغم أن هذا التوجه قد أبعد شبح الحرب الكبيرة التي خيمت على العالم فترة الحرب الباردة، إلا أنه لم يسهم في تخفيف الأزمات على المستويات الإقليمية، فقد بقيت بؤر الصراعات والتوترات كما هي، فإن دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية تشعر بالقلق من تنامي القدرات العسكرية لكوريا الشمالية.
في حين أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية مثل فنزويلا تتعرض لتهديد مستمر من قبل الولايات المتحدة، ولا تزال الخلافات الحدودية بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة تحسم لصالح الدولة الكبيرة. كما أن دولاً أخرى تشهد ساحاتها الداخلية مستويات مختلفة من الصراعات لأسباب عرقية أو دينية أو أسباب أخرى تتعلق بمستوى الحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرد.
وبقيت منطقة الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم سخونة في مشاكلها، وقد زاد النظام العالمي الجديد الذي منح الولايات المتحدة سلطات التدخل في أية بقعة من العالم دون خوف من هذه المشاكل وفاقم ما هو كائن فيها.
لقد أضفى التوسع في عملية العولمة طابع العالمية على المشاكل حتى وأن بدت محلية أو إقليمية المنشأ، ولعل إنتشار مرض إنفلونزا الخنازير مؤخراً، ومرض الإيدز قبله، أمثلة واضحة على ذلك.
وفي هذا السياق يصبح من غير المقبول تجاهل التأثيرات التي خلقتها وتخلقها المشاكل المزمنة في العالم والتي لم تلق من الاهتمام ما تستحقه رغم خطورتها على الاستقرار والأمن في العالم. فالحقيقة أن البحث عن عالم مستقر يتطلب تأسيس نظام عالمي يمنح المنظمات الدولية، الأمم المتحدة خاصة، دوراً فاعلاً في تشخيص ومعالجة المشاكل التي تهدد الاستقرار في أية بقعة من العالم، ويمنحها كذلك سلطة التصرف في الثروات التي تقع في المياه الدولية خارج الحدود الإقليمية للدول.
أحد أبرز المشاكل وأخطرها التي ينبغي أن يواجهها العالم بموقف يرقى إلى مستوى أهميتها هو الفقر الذي ينتشر في كل بقاع العالم، بدرجات مختلفة، بسبب سوء التشريعات التي اتاحت توزيعاً غير عادل في الثروات من جهة، وأتاحت فرصاً لسرقة ثروات شعوب ضعيفة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من جهة أخرى. فقد آن الأوان للدول التي مارست تلك السرقات الاعتراف بدورها في ذلك والاعتذار لشعوب تلك البلدان كما فعلت إيطاليا حين اعتذرت إلى ليبيا عن فترة احتلالها واستعمارها ودفعت تعويضاً عن ذلك.
كاتب عراقي