الخطاب الإسلامي مطالب هذه الأيام بالاعتدال في توجيهه للرأي العام المسلم، وذلك حسب الدعوات التي تخرج من بعض المنابر الإعلامية والسياسية، والتي تنتقد تلك الأفكار التي تبث السلوكيات المتطرفة تجاه بعض القضايا المصيرية، ولاسيما رؤية المسلم للغرب عموما ورؤيته لأميركا على وجه التحديد.
وتحاول هذه الدعوات أن تجدد وتقارب بين العالمين الإسلامي وغير الإسلامي، من خلال الاشتغال على إعادة إحياء سماحة الإسلام ورقي أخلاقيات العقيدة، عملا بها وتفعيلا لقواعدها الإنسانية. وقد ذهب البعض في نقده لهذا الواقع إلى ضرورة غربلة وتمحيص المناهج التعليمية الدينية، والتركيز فقط على ما يجعل العالم وحدة إنسانية متناغمة.
ولعل الأمثلة التي ذهب إليها نقّاد هذا الواقع، هي تلك الآيات القرآنية التي تدعو إلى مقاومة أعداء الدين، والتي فسرها بعض الغربيين على أنها دعوة حرب وقتال موجهة نحو العالم الغربي، مما دفع بعضهم إلى وصف الإسلام بصفات لا تليق بجوهره وعظمته.
أما البعض فيرى أن خطاب بعض المفكرين الإسلاميين، وبخاصة من تيارات بعينها، يتراوح بين الغلو والتطرف الذي يحرض على إثارة العنف وزعزعة الأمان وتأزيم السياسات بين الدول.
وإذا كانت دعوات النقد والتجديد والاعتدال تتصاعد وتيرتها هذا الأيام، فإنها دعوات ليست بجديدة وإنما طرحت في أكثر من عصر، وتصدى لها أكثر من عالم ومفكر إسلامي، لذا حين تأتي غربلة الخطاب الإسلامي من المحيط المسلم نفسه، فهي تظل مقبولة أكثر مما لو كانت دعوات مبطنه مشكوكا في مصداقيتها يحملها الساسة ومريدوهم، ويأخذ البعض على هؤلاء المريدين أنهم أبواق تقوم بدور مزدوج في نقل وجهة نظر لا إسلامية للشارع المسلم.
والملاحظ أن بعض العلماء المسلمين ينظرون إلى هذه الدعوة بتشكك، فالقرضاوي بما يمثله من ثقل في تحمل عبء توصيف الخطاب الإسلامي في الوقت الراهن، يرى أن «التغيير في هذا الوقت محفوف بخطرين، الأول خطر الإذعان للضغوط المدججة بالسلاح والمال.
والثاني خطر تمكين الأفكار اللادينية لتروج فكرها المستورد تحت عنوان التجديد والتطوير وإنما هو التبديد والتخريب»، لكن القرضاوي لا يرفض التجديد، حاله حال علماء الأمة الذين يمحصون ويجددون هذا الخطاب، إلا أن الخوف من تهريب بعض الأفكار التي يرى البعض أنها علمانية الهوى أو مقحمة على الفكر الإسلامي، بحيث يستلهم منها المسلم تعايشه مع الآخر، دون أن يفكر في استباحة دمه كما يصوره الإعلام الأميركي أو الغربي بشكل عام.
وقد ذهب المفكر عبد الوهاب المسيري في أبحاثه عن الخطاب الإسلامي، إلى أن هذا الخطاب لا بد أن لا يكون موجها إلى العالم الإسلامي فحسب وإنما إلى العالم بأسره، ولعل المسيري كان ينطلق في تبنيه لهذا الرأي استنادا إلى حقيقة أن الخطاب الإسلامي يرتبط إلى حد كبير بالسياسات الموجهة للعالم الإسلامي.
لذا فهو يرى أن التسامح المطلوب في الخطاب الحاضر والذي يريده ويحض عليه بعض المسلمين، قد يسقط عندما تشعر دولة كأميركا مثلا بأن مصالحها مهددة، وهذا ما حدث في الحادي من سبتمبر.
وفي مقالة له عن «الإسلام والغرب» يذكر المسيري بعض الأسباب التي دفعت إلى ظهور ما يعرف بالعداء الغربي للإسلام، ولاسيما لخطابه الإسلامي، ومن جملة هذه الأسباب تزايد النضج السياسي للحركات الإسلامية، ودخولها معترك الحياة السياسية ومقاومتها للاستعمار الغربي، وقد كان لهذا التغير أثر بالغ في بدء الحديث عن الإرهاب الإسلامي وضرورة إصلاح خطابه الديني.
إن الإشكالية في تغيير منهجية الخطاب الإسلامي التي يريدها الغرب ويريدها بعض المسلمين، ترتبط بمدى إحساس المسلم بأنه مطالب بكف يديه ولسانه عن كل ما يتشكل أمامه من ظلم.
وهذا في حقيقة الأمر هو إخضاع إرادة المسلم كي لا يندفع في مقاومة الظلم والاستعمار، بل حتى على مستوى الدعاء الذي يناجي به المسلم ربه، يريد أولئك المصلحون أن يبدأ المسلم بانتقاء عباراته.
بحيث لا تجرح غير المسلم، وأصبح الدعاء على الأعداء هو غلو وتطرف، في حين أن استباحة نفس المسلم وعرضه هي موضوع قابل للتفاوض والنقاش، وهذا ما يريده الغرب في خطاب المسلم اليومي والشخصي، منطلقا من المحبة الزائفة ومن شعار أن «من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر».
إن المسلم الذي يبحث عن سعادته المشروعة وفي استعادة حياته كإنسان، بعيدا عن النظرة الدونية التي تطارده أينما رحل وتجرمه وتحمله صفة الإرهاب قسرا، لن يحظى بها بتغير الخطاب الإسلامي العام ومهادنته وانسياقه الأعمى لما تريده أميركا من عزل الدين عن الحياة، بل إن التغيير لا بد أن ينبع من تغير الخطاب الأميركي والغربي، والذي يقوم بتحريض شبه دائم على محاربة كل ما يمت إلى الإسلام بصلة.
وهذا يبدو جليا من خلال كثير من كتابات مفكريهم الذين يهاجمون الإسلام ومظاهره، بداية من حجاب المرأة ووصولا إلى الحركات الإسلامية، والذي لا يتسق مع أي شكل من احترام خصوصية الآخر أو حتى مع الرغبة في التعاطي معه، والتي يدعي الغرب أنه مصدّر لقيمها ومبادئها.
ويكفي أن يطالب أحد أشهر الكتاب الأميركان بقائمة من الأوليات كي يحفظ الأمن والأمان، ومن جملة مطالبه سحب نسخ القرآن التي تم طبعها ونشرها بدعم سعودي من مكتبات المدارس، حبس الوعّاظ في السجون بسبب تفسيرهم القرآن تفسيراً متطرفاً، اتهام ومحاكمة صور الإسلام المتطرف، إلغاء وسحب شرعية منظمات ومؤسسات الإسلام المتطرف، قيام السياسيين بمطالبة الإسلاميين المتطرفين بترك بلدانهم.
فهل هذا هو خطاب التسامح الذي يريدون؟
كاتبة إماراتية