أقيمت في مدينة غدانسك البولونية في مطلع سبتمبر احتفالات بمناسبة الذكرى السبعين لاندلاع الحرب العالمية الثانية. ورغم الخلافات الكثيرة بين بولندا وروسيا إلا أن الحكومة البولندية قررت توجيه دعوة لرئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين لحضور هذه الاحتفالات في هذه الفعاليات، وألقى بوتين كلمة في هذا الاحتفال اعتبرها الكثيرون بأنها تشكل نقطة انعطاف في تاريخ العلاقات الروسية البولونية. حيث تناول بوتين بكل صراحة المسائل التي تعكر صفو العلاقات بين موسكو ووارسو.
وفي حديثه عن ذكرى الحرب العالمية تناول بوتين قضية إعادة كتابة تاريخ الحرب التي حاول من خلالها بعض الكتاب والمؤرخين الأوروبيين التقليل من مساهمة الاتحاد السوفييتي في تحقيق الانتصار على النازية، ووصل الأمر بالبعض إلى اتهام الاتحاد السوفييتي بالتواطؤ مع النازي هتلر ضد أوروبا، وساوى البعض الزعيم السوفييتي ستالين بالنازي هتلر.
ومعظم هذه الاتهامات والتأويلات خرجت من بولندا بالتحديد وبعض دول أوروبا الشرقية الصغيرة، ولم تخرج من دول أوروبية كبيرة شاركت بفاعلية في الحرب وتعلم جيدا فضل الجيش الأحمر السوفييتي في دحر النازي وهزيمته، وعلى الرغم من ارتفاع بعض الأصوات في أوروبا الشرقية لإعادة كتابة تاريخ الحرب العالمية الثانية بهدف النيل من سمعة روسيا .
ومن كرامة كل من دافع عن حرية هذه الدول والدور الأساسي للجيش الأحمر في هذه الحرب، إلا ان الشعب النمساويَ يرفض كل هذه المزاعم ولم يبخل بتقديم قرابة مليون يورو لترميم نصب الجندي المحرر تخليدا لذكرى الجنود السوفيتي،و قالت ماريا فيكتير وزيرة الداخلية النمساوية ان «أكثر من 70 ألفاً من المواطنين السوفييت منهم 26 ألفا من جنود وضباط الجيش الأحمر ضحوا بحياتهم على ارض بلادنا إبان الحرب العالمية الثانية.
دعا رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الدول الأخرى إلى الإعتراف على مستوى القرارات السياسية بأخطاء الماضي التي أدت إلى بدء الحرب العالمية الثانية.
وقال بوتين إن الدول الأخرى يجب أن تعترف بالأخطاء التي ارتكبتها في الماضي وذلك ليس على مستوى تصريحات ساسة منفردين، بل على مستوى اتخاذ القرارات السياسية من قبل قادة الدول.
بدورها أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الاحتفالات مسؤولية بلادها عن شن الحرب العالمية الثانية ومعانات شعوب أوروبا التي سببها نشاط النازيين.
وقالت ميركل إن الباب المأساوي في تاريخ أوروبا فتح منذ 70 عاما، عندما هاجمت ألمانيا النازية بولندا، مشددة على أن الحرب التي شنتها ألمانيا الهتلرية جلبت سنوات التدمير والإهانة في أوروبا.
وبدوره أيضا إعترف الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي بأن مشاركة بولندا في تقسيم تشيكوسلوفاكيا في عام 1938 هي خطأ وإثم، مشيرا إلى مسؤولية بولندا والدول الأوروبية الأخرى عن تشجيع ألمانيا الفاشية بشكل غير مباشر على العدوان من خلال عقد معاهدة ميونيخ.
لا شك أن الوقت متأخر كثيرا للاعتراف بأخطاء الماضي، خاصة وأن أثار وتداعيات الحرب العالمية الثانية هي التي حكمت توجهات السياسة العالمية وصراعات القوى العظمى على مدى السبعين عاما الماضية.
.
ورغم اعتراف ألمانيا بمسؤوليتها عن أخطاء الماضي إلا أنه يحلو للبعض لأغراض سياسية حديثة أن يتهم الآخرين بالمسؤولية، والغريب في الأمر أن في الوقت الذي يوجه فيه البعض الاتهامات لروسيا ويتهمها زورا بدعم النازي هتلر، رغم أن الاتحاد السوفييتي هو أكثر الدول التي فقدت ضحايا أمام النازي، إلا أن أحدا لا يجرؤ على توجيه أية اتهامات للولايات المتحدة الأميركية وجريمتها البشعة باستخدامها القنابل الذرية ضد الشعب الياباني.
رئيس الوزراء الروسي بوتين كان على حق حين قال إن الحرب العالمية الثانية كانت بالنسبة لشعوب الاتحاد السوفييتي وبولونيا والعديد من بلدان العالم حرباً من أجل الحياة والثقافة واللغة القومية، لقد كانت بالفعل حربا عالمية مشتركة ضد عدو واحد يهدد البشرية والحضارة العالمية، فلماذا ولمصلحة من بعد ذهاب هذا العدو يحلو للبعض توجيه اتهامات باطلة للآخرين؟
كاتبة روسية