ونحن نتذكر أحداث 11 سبتمبر 2001 بمناسبة الذكرى الثامنة لها، وفي ظل وجود مؤشرات متعددة حول خروج تنظيم القاعدة من أفغانستان يحق لنا أن نسأل أين ذهب هذا التنظيم؟. فوفقا لكافة المعطيات فان من يحارب الولايات المتحدة حاليا في أفغانستان هو حركة طالبان التي أصبحت تحكمها عوامل محلية أفغانية فقط، وهي تحقق انتصارات في مواجهة القوات الأميركية، لأن الشعب الأفغاني ليس على ثقة كاملة بحكومة قرضاي التي يستشري فيها الفساد.
وإذا كان كل من أسامة بن لادن زعيم القاعدة والرجل الثاني فيها أيمن الظواهري يخرج كل منهما كل عدة أشهر ببيان من اجل تأكيد وجود التنظيم وعدم انهياره، فان ذلك لا ينفي أن التنظيم وجهت له ضربات قاصمة ولا يوجد أي دليل على وجود أي منهما في أفغانستان، بل المرجح أنهما في مكان ما في باكستان.
ومن المؤكد أن بعض عناصر القاعدة أو فلول لها مازالت متواجدة في أفغانستان، ولكن لم تعد مؤثرة في مسار الأحداث هناك سواء أكانت في الحرب ضد القوات الأميركية أم فيما يتعلق بتوازنات القوى بين الفصائل الأفغانية، فالحرب الأميركية ضد القاعدة التي اتخذت مسمى الحرب ضد الإرهاب وشاركت فيها دول عديدة وتولاها من الناحية التنظيمية حلف الناتو، أصابت القاعدة بضربات مؤثرة بلا شك.
وهو ما دفع بعض عناصرها إلى العودة إلى بلادهم ومحاربة الولايات المتحدة والدول الغربية في مناطق أخرى من العالم.
وكانت الفرصة التي أتاحتها لهم الولايات المتحدة تتمثل في الحرب على العراق التي استهدفت من بين ما استهدفت حسبما أعلن عدد من رموز تيار المحافظين الجدد انه من بين أهداف الحرب على العراق هو دفع عناصر القاعدة للتجمع هناك وبالتالي يسهل التخلص منهم والقضاء على تنظيمهم، ولكن يبدو أن التنظيم نفسه كانت له استراتيجية أخرى للمواجهة من اجل إثبات وجوده من جهة وتأكيد أن الحرب الأميركية ضده لم تنل منه ولم تصبه ولم تقض عليه.
وقامت هذه الإستراتيجية على تشكيل تنظيمات فرعية للتنظيم سواء عبر عودة كوادره إلى مناطقهم الأصلية والعمل منها أو عبر قبول انضمام تنظيمات محلية إلى القاعدة تحت مسميات مختلفة.
ففي العراق أصبح هناك تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي تزعمه في البداية أبو مصعب الزرقاوي وبعدما قضت الولايات المتحدة عليه استمر التنظيم يعمل من العراق ضد القوات الأميركية. وفى منطقة المغرب العربي تشكل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي تشكل من جماعات متعددة منها الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر وتنظيمات أخرى مغربية وليبية ومالية وموريتانية وتونسية وقام التنظيم بعمليات في كل من تونس والجزائر وموريتانيا والمغرب.
وبهذه الإستراتيجية الجديدة أصبح تنظيم القاعدة الدولي الأم لا يعمل في مواجهة الدول الغربية، وإنما تعمل تنظيمات محلية عنه بالوكالة، واثبت التنظيم معنويا ورمزيا انه مازال موجودا، وإن كانت الولايات المتحدة ترى أنها وجهت إليه ضربات قاصمة وأنها قضت تماما على بنيته التحتية.
والملاحظ أن البيانات التي يلقيها كل من بن لادن والظواهري، أصبحت أكثر شمولا وتتناول بعض القضايا المحلية الخاصة بالمناطق التي تعمل فيها التنظيمات الفرعية للقاعدة، بما يوحى بان التنظيمات تابعة للقاعدة وبما يشبه التعليمات الصادرة من القيادة العليا لتنظيم القاعدة إلى الجماعات المحلية التابعة لها. وذلك لتأكيد أن التنظيم هو الذي يحرك الجماعات المحلية وأنها لا تتحرك من تلقاء نفسها، وكل ذلك إشارات رمزية من التنظيم من اجل تأكيد وجوده وفاعليته.
وبالطبع فان بعض عناصر هذه التنظيمات الفرعية المحلية كانوا في السابق من عناصر تنظيم القاعدة الأم، لكننا لا نستطيع مع ذلك أن نجزم بان التنظيمات هي فروع للقاعدة، ذلك أن الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على القاعدة تغل يدها عن المساعدة المالية واللوجستية للتنظيمات المحلية والفرعية، وهو ما يعني أن الارتباط بينها وبين القاعدة الأم ما هو إلا ارتباط رمزي ومعنوي، قد يكون هدفه الأساسي هو رفع الروح المعنوية لعناصرها حيث يعتبرون أن مهمتهم هي الحرب ضد الولايات المتحدة وليس ضد العناصر المحلية التي ينفذون عملياتهم ضدها.
ونستطيع انطلاقا من تطورات الأعوام الثمانية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001 القول إن القاعدة ضعفت، وان الحرب ضد الإرهاب أصابتها في مقتل، لكنها في نفس الوقت استطاعت التكيف مع الواقع الذي يحاصرها، من خلال الموافقة على انضمام تنظيمات محلية لها، وذلك من دون أية تكاليف مادية أو لوجستية على التنظيم الأم، وبالطبع فان التنظيم له رهان آخر في مواجهة الولايات المتحدة، وهو أن تتغير الظروف الحالية من اجل عودته مرة أخرى إلى العمل، فالقاعدة تراهن على الوقت وعلى أن الولايات المتحدة ستبحث عن مخرج قد يكون إجراء اتفاق مع القاعدة نفسها مع مرور الزمن ومع عدم تحقيق أي نجاح ملموس في حربها ضد الإرهاب.
وبالتالي فإن القاعدة في حالة كمون حاليا، وانشطرت إلى عدة تنظيمات، ولكننا حتى حينه لم نشهد نهايتها، وهذا الأمر يتوقف على تطورات الوضع في أفغانستان، والمنطقة المحيطة بها.
كاتب مصري
