رغم عدم رضانا عن أوضاع العالمين العربي والإسلامي، وسخطنا على تقاعسنا أمام التطور الحضاري والثقافي الذي سبقتنا فيه كثير من شعوب الأرض، وضياع حقوقنا منذ عقود طويلة دون أن نستردها كلها أو بعضا منها، إلا أن الأمل يبرق أحيانا في زاوية ما، ونجري نستكشف ذلك البصيص لعله ينير لنا الطريق المظلم.

البصيص الأخير، جاءنا من إمارة دبي التي عودتنا على المفاجآت وتحدي الصعاب والجري السريع للحاق بركب المتسابقين، وكنا نشاهد هذا البصيص على شكل مصباحين يسيران في الظلام بسرعة 90 كيلومترا في الساعة، في نقل مباشر على الهواء من محطة إلى محطة تلاحقه عدسات كاميرات المصورين من على طائرة الهيلوكبتر التي تحاول تتبعه، وأنظار العالم كلها متجهة بانبهار نحو أسرع وأطول قطار في العالم يسير بدون سائق. لقد سبقنا فرنسا وروسيا وألمانيا واليابان وألمانيا وبريطانيا في جزئية بسيطة، ولكنها قد تتطور لتصبح جزئية كبيرة يوما ما.

لقد كلف هذا المشروع الذي بدأ قبل ثلاث سنوات تضحيات جمة: مادية وبشرية. لكنه أمر لا بد منه أمام التطور السريع الذي تشهده هذه الإمارة منذ الستينات من القرن الماضي. فلا يعقل أن تظل إمارة دبي حبيسة شوارعها التي ضاقت بتزايد عدد مركبات قاطنيها وقاطني الإمارات المجاورة التي تفد إليها والدول المجاورة التي تبحث لها فيها عن بلد آمن إما للتبضع أو السياحة أو التسلية أو التغيير بما تزخر به من مراكز تجارية ومشاريع قائمة ومناظر خلابة وشعب كريم مضياف.

لقد أصبحت مدينة دبي وفي لمح البصر مركزا تجاريا واستثماريا وسياحيا عالميا يشهد به الجميع مهما اختلفنا عليه، وتحولت شوارع مدينة دبي مع التطور العمراني والحضاري إلى طرق متأزمة ضاق سكانها بها ذرعا. وجلس خبراؤها للبحث عن منفذ، ولم يكن الحل سوى في شق طرق من نوع آخر: السكك الحديدية المعلقة! التكلفة بدأت بـ 5 ,15 مليار درهم ثم قفزت إلى 28 مليارا. إنه رقم خيالي لإنجاز خيالي في إمارة خيالية.

تعود بي الذاكرة إلى يوم افتتاح جسر المكتوم في أوائل الستينات من القرن الماضي. وكنا صغارا نعبره خائفين أن لا يسقط بنا في البحر. وكان يعتبر أول جسر في الإمارات قبل قيام الاتحاد يربط بين ضفتين. ويبدو أن تكلفته قد مولتها إمارة قطر بقرض قدر بـ 000 ,190 جنيه!! وشكك الكثيرون في نجاحه وجدواه، خاصة عندما علموا بأن من يعبره سوف يدفع مبلغا رمزيا لتسديد قيمة القرض. وإذا به يصبح شريانا مهما في عصب الحياة التي تدب في إمارة دبي.

وفي عام 1979 تقريبا أنشئ نفق الشندغة، ليكون أول نفق يمر تحت مياه البحر في العالم العربي بأسره. ولاقى نفس التشكيك في سلامته وفي تكلفته وأهميته ونجاحه. وإذا به يصبح في غضون سنوات علامة بارزة في تاريخ دبي مخففا الضغط الشديد على جسر المكتوم ومختصرا الطريق لمن يريد الانتقال من بر ديرة لبر دبي.

وكذلك لاقى مشروع جبل علي ومن ثم مشروع طيران الإمارات عام 1985. فعندما سمعنا بهذا المشروع المخيف فإن أول أحكامنا صدرت متشائمة بأنه لن يتمكن من منافسة خطوط الطيران العالمية الكبرى كالبريتيش أيرويز وإير فرانس ولوفتهانزا وسويس إيرلاينز وغيرها. وإذا بطيران الإمارات وخلال سنوات معدودة يضرب الطيران العالمي في عرض الحائط ويحصد الجوائز تلو الجوائز في الخدمة والانتظام والرفاهية والأمان، وتصاعدت أسعار تذاكر طيران الإمارات بشكل متسارع، حتى أصبح محظوظا من يطير على طيران الإمارات.

وفضل الكثيرون من الأوروبيين والآسيويين استخدام طيران الإمارات في السفر رغم ارتفاع أسعاره على حساب ناقلهم المحلي رغم انخفاض أسعاره! وخاب ظن من توقع الفشل لهذا المشروع حين فاق أسطول طيران الإمارات 120 طائرة من أحدث طراز لتربط إمارة دبي بأكثر من 100 مدينة في العالم! كم منا يعرفون مبلغ رأس مال إنشاء مشروع طيران الإمارات في بدايته؟ 10 ملايين دولار فقط! يكفيك من هذا المشروع أن لا تمر بأي مطار من مطارات العالم إلا وتشاهد علم الإمارات ساطعا أمامك على مدرجاتها. ألا يعتبر ذلك فخرا بعد أن كان تشكيكا وتخوفا؟

واليوم يأتي دور مترو دبي ليضيف إلى رصيد إنجازات هذه الإمارة إنجازا آخر رغم استمرار النقد والتخوف والتشكيك في جدواه وفاعليته كما شكك بغيره من المشاريع المذكورة سابقا. فمنهم من استعظم تكلفته، ومنهم من انتقد صعوبة استخدامه في بلد حار ورطب، ومنهم من راهن على فشله... ولكن القطار قد انطلق، وسيصبح في يوم من الأيام علامة بارزة في إمارة بارزة في دولة بارزة. فهذا الإنجاز إن نجح فهو نجاح لدولتنا دولة الإمارات العربية المتحدة، ونجاح الإمارات هو نجاح لكل شعوب الأمة العربية، ونجاح الدول العربية في أي مشروع هو نجاح للأمة الإسلامية برمتها.

علينا أن لا نظل واقفين مترددين خائفين منتقدين خجلين. إن المشاريع حتى ولو كانت مدروسة إلا أنها تبدأ بخطوة صغيرة يطلق عليها: مغامرة. والمغامرة خير من الجلوس في البيت في انتظار التغيير بينما العالم يجري بسرعة البرق. والتطور البشري كله قام على الخطوة الأولى. التطور لن يأتينا يطرق أبوابنا. العالم سبقنا بمئات السنين. فمترو لندن، شق عام 1863 وبه 11 خطا و270 محطة، ومترو باريس شق عام 1900، وبه 16 خطا بـ 300 محطة، ومترو موسكو شق عام 1935 بـ 12 خطا و177 محطة... وهلم جرا.... ونحن بدأنا بعد أكثر من مائة عام..

إننا نريد اللحاق بالحضارة، ومشروع مترو دبي مشروع طبيعي للحاق بالزمن والآخرين... مترو دبي انطلق الساعة 9 بتاريخ 9/9/2009 بينما يجلس الآخرون ينظرون إلينا بدهشة!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com